"أحزاب الفكّة".. جدل المشاركة في حكومة الثورة بالسودان

أحزاب الحوار شاركت في الائتلافات الحكومية بالنظام السابق وانخرطت في ما عرف بحوار الوثبة (الجزيرة-أرشيف)
أحزاب الحوار شاركت في الائتلافات الحكومية بالنظام السابق وانخرطت في ما عرف بحوار الوثبة (الجزيرة-أرشيف)

عبد الله محمد-الخرطوم

الاستقطاب السياسي ترتفع وتيرته في السودان انتظارا لما تسفر عنه مفاوضات قوى إعلان الحرية والتغيير مع المجلس العسكري حول نسب المشاركة في المجلس السيادي، بعد حيازة قوى التغيير على أغلبية الثلثين في المجلس التشريعي، مما يعني حرمان أحزاب الحوار أو ما يطلق عليها "أحزاب الفكة" من المشاركة في حكم الفترة الانتقالية باعتبارها شاركت في النظام السابق.

غالبية تلك الكيانات انشقت عن أحزاب الأمة القومي والاتحادي الديمقراطي والمؤتمر الوطني، واندرجت خلال السنوات الأخيرة من عهد الإنقاذ تحت مسميات عدة، منها الجبهة الوطنية للتغيير التي تضم 22 حزبا، ولكن هذا الكيان، ومع تدافع أمواج الثورة، انسلخ من الائتلاف الحاكم وطالب النظام السابق بالرحيل وتشكيل مجلس سيادي انتقالي لإدارة البلاد.

وتضاف إلى "أحزاب الفكة"، بحسب ما هو شائع في لغة السياسة اليومية، تيارات إسلامية وسلفية وشخصيات وطنية، مثل مجموعة الـ52 بقيادة الجزولي دفع الله رئيس وزراء الحكومة الانتقالية التي أعقبت الثورة ضد نظام جعفر نميري عام 1985، ولجنة مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم.

الجبهة الوطنية للتغيير خرجت من حكومة نظام البشير بعد بدء الاحتجاجات وطالبت بتشكيل حكومة قومية (مواقع التواصل)

أحزاب منشقة
هذا اللقب الشائع في الوسط السياسي -أحزاب الفكة- يبدو إشارة لصغر هذه الكيانات وضعف قواعدها كونها انشقت عن أحزاب معروفة كانت تحظى بثقل جماهيري في الأرياف، مثل حزب الأمة القومي الذي يتجذر في دارفور وكردفان، والحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يتمتع بشعبية واسعة في شمالي وشرقي السودان.

وحاز هذان الحزبان على الأغلبية في الانتخابات التعددية التي جرت في العام 1986، وصعد حزب الأمة للقمة، يليه الحزب الاتحادي، فالجبهة الإسلامية -حزب الإخوان المسلمين- التي حازت معظم الدوائر المخصصة للخريجين، فأصبحت بذلك القوة الثالثة في البرلمان.

لكن ما جرى من تجريف سياسي خلال ثلاثين عاما، وما حدث على الأرض من تغيرات ديمغرافية وبيئية بسبب الحرب والنزوح، جعل ذاك الثقل الحزبي التقليدي موضوع شك، خاصة في دارفور حيث نشأت حركات مسلحة وسياسية خطفت نفوذ حزب الأمة وكيان طائفة الأنصار هناك، مثلما اهتز نفوذ الحزب الاتحادي الديمقراطي في مناطق شمالي وشرقي السودان.

نجم الدين دريسة: لا ننكر مشاركتنا في الإنقاذ لكن خرجنا منها بعد اكتشافنا خطلها السياسي (الجزيرة نت)

الوزن الجماهيري
لا يمكن الاتكاء على نتائج انتخابات 1986، يقول نجم الدين دريسة نائب الأمين العام لحزب الأمة الفدرالي، لأن معظم من شاركوا في تلك الانتخابات طواهم الغياب، كما أن الأحزاب بشكلها القديم لم تعد تعبر عن المزاج العام للشعب السوداني.

ولدى الحديث عن الوزن الجماهيري لكل حزب، ومثل كل المنتمين، يستعرض دريسة قوة حزبه، مشيرا إلى حصولهم على المركز الثاني من حيث عدد الأصوات في انتخابات 2015، لكن حزبه في الوقت الراهن يدعو لرفع الراية القومية بدلا من الارتباط بطائفة الأنصار، ويدعو الاتحاديين للفكاك من قيد الختمية، ولأن يتحرر الشيوعيون من الماركسية.

ويعترض دريسة على لقب أحزاب الفكة، فهو -من وجهة نظره- مسمى سوقي وغير موضوعي، ويضيف "نحن لا ننكر أننا دخلنا الإنقاذ، لكننا خرجنا منها بعد أن اكتشفنا خطلها السياسي، ورغم موقفنا المبدئي من الإقصاء، فنحن لا نمانع في الوقت الراهن من استلام قوى إعلان الحرية والتغيير لمقاليد الحكم في الفترة الانتقالية".

أحزاب ضرار
أحزاب الفكة لم تُعزل عن المشاركة في حكم الفترة الانتقالية بسبب ضعف رصيدها الشعبي، فهناك أحزاب مثل أحزاب البعث والناصري وحركة حق، ليس لها رصيد شعبي لكنها لم تعزل. العزل، يقول الكاتب الصحفي علاء الدين بشير، يستهدف صنائع نظام الإنقاذ التي كانت بمثابة "أحزاب ضرار" شاركت في النظام السابق حتى سقوطه، بالتالي فإن على أرباب هذه الكيانات انتظار حتى يأتي أوان الانتخابات الحرة وشرعية صندوق الاقتراع النزيه.

أسامة توفيق مستشار رئيس حركة الإصلاح الآن ينفي انشقاقهم عن حزب المؤتمر الوطني، قائلا إن اثنين من قيادتها، وهما الدكتور غازي صلاح الدين وحسن رزق، انضما للحركة بعد فصلهما من الحزب الحاكم آنذاك.

وحركة الإصلاح، بحسب إفادة توفيق، لا ترغب أصلا في المشاركة في مستويات الحكم الثلاثة خلال الفترة الانتقالية، لكنها تدعو لاستيعاب شخصيات وطنية للمشاركة في حكم الدولة.

مبارك الفاضل: نحن كيان ضمن حزب الأمة التاريخي ونعمل بالتنسيق والتفاهم معه (الجزيرة نت)

تنسيق وتفاهم
أحزاب الفكة وصف لا يقبله رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل المهدي، الذي يشدد في حديثه للجزيرة نت على أنهم تيار ضمن كيان حزب الأمة التاريخي، وأنهم يعملون بالتنسيق والتفاهم مع ذلك الكيان في كل ما يتعلق بالشأن العام.

ما يسعون إليه في هذه المرحلة -يقول المهدي- هو وزن ما يسميها بهيمنة اليسار على الثورة عن طريق تطعيمه بتيارات من الوسط واليمين.

ويعترف المهدي بأن قوى إعلان الحرية والتغيير فصيل متقدم في الثورة، لكن هذه الوضعية لا تعطيهم الحق في إقصاء الآخرين وتقييم أوزانهم الشعبية، لأن قوى التغيير -والقول للمهدي- لم تُختبر جماهيريا عن طريق الانتخابات.

تعريف المشاركة
ويضيف أنه يجب إعادة تعريف المشاركة في الإنقاذ بأنها الانخراط في برامجها، لأن العزل بحجة الاشتراك فيها حجة واهية ويمكن أن تطال كثيرين منهم الحزب الشيوعي، الذي شارك في برلمان الإنقاذ لست سنوات، شهد خلالها فصل الجنوب وإجازة قانون الأمن الوطني.

يقول المهدي إن الجناح الذي يقوده في الحزب لا يريد المناصب، بل المشاركة بالرأي في المجلس التشريعي الذي يؤسس للانتخابات العامة، حتى لا يُترك المستقبل لتقرر بشأنه جهة واحدة، ويضيف أن الفترة الانتقالية تتطلب قدرا كبيرا من التوافق بين المكونات السياسية.

ويؤكد أن إقصاء الآخرين يفتح الباب واسعا لقوى الثورة المضادة التي سقط نظامها، لكن التخلص منه يتطلب من قوى إعلان الحرية والتغيير أن تتعاون مع الجيش بحكم أن السلطة آلت إليه بموجب قانون الطوارئ.

المصدر : الجزيرة