حكايات موظفين بمصر.. لحظات عبودية ومحاولات انتحار

محمود صديق-القاهرة

في شارع فيصل بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) صعد رجل أربعيني إلى سيارة الأجرة (الميكروباص) مخاطبا السائق بصوت غاضب ووجه يملؤه العبوس "عايز أنزل مدرسة جمال عبد الناصر في بولاق الدكرور يا أسطى"، فأجابه السائق أنه لا يعرف مكانها بالضبط فانفجر الرجل لاعنا مديره الذي هدده في حال عدم التصويت على الدستور.

والشهر الماضي صوت المصريون على تعديلات في الدستور تسمح بتمديد ولاية الرئيس عبد الفتاح السيسي حتى عام 2030، كما تضع الجيش فوق الدولة بصفته حاميا للدستور ومدنية الدولة، لكن منظمات حقوقية ومعارضين تحدثوا عن رشاوى انتخابية وانتهاكات قانونية كبيرة، كما تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات لحشد عمال وموظفين وطلاب وإجبارهم على التصويت.

كلام الموظف الأربعيني يعضد مئات الروايات التي تدور على مواقع التواصل الاجتماعي حول تهديدات بالخصم أو الفصل من العمل تلقاها عمال وموظفون بكافة القطاعات من قبل مديريهم. 

سألنا النقابي العمالي المستقل صلاح الأنصاري عن رصده لهذه الظاهرة، وهل يحق للمدير إيذاء موظفيه لمخالفتهم أوامر التصويت، فأجاب بأنه لا يؤكد تلك الروايات ولا ينفيها، لكنه أشار إلى أن كثيرا من الموظفين المصريين يعانون أهوالا أكثر بكثير من روايات أوامر التصويت ويقعون تحت وطأة تسلط غير متناه من المديرين.

أشبه بعلاقات رق
يشير الأنصاري إلى حكايات موظفين وعمال شكوا له شخصيا أوجاعهم حيث عاشوا أوضاعا وظيفية تشبه حالات الرق، لكنه حين أشار عليهم بالتقدم بشكوى رسمية إلى النقابات تراجعوا على الفور خوفا على مستقبلهم في العمل، أو تعرضهم لمضايقات تزيد معاناتهم.

الجزيرة نت تواصلت مع بعض الموظفين بقطاعات عدة محاولة تلمس معاناتهم، وهل هناك حقا حالات تشبه العبودية في علاقة الموظف بمديره حسبما ذكر الأنصاري؟

يحكي علاء (49 عاما) ويعمل بشؤون العاملين بأحد الشركات الخاصة بتصنيع الألبان، أن نجل صاحب الشركة الذي ورثها بعد وفاة والده كان يستمتع بغمس وجه الموظفين العاملين على خط الإنتاج في اللبن أو أحد منتجاته كالجبن إذا لاحظ تكاسلا أو خطأ ارتكبه أحدهم، ويهدده بأن الخطأ القادم سيغمس وجهه في "المش" -وهو نوع من الجبن المعتق شديد الملوحة – ومن يحتج منهم فمصيره الفصل الفوري.

يتابع علاء بأسى "بالطبع هناك من لم يتحمل وترك العمل، لكن هناك أيضا من بقي متحملا لتلك الإهانات تحت ضغط الحاجة، راجين من زملائهم بقاء تفاصيل ما يحدث سرا حفاظا على هيبتهم أمام أسرهم وجيرانهم".

‪التدهور الاقتصادي وندرة فرص العمل يجبران العمال والموظفين على الرضوخ لتعنت أرباب العمل‬ (الجزيرة)

نكات جنسية وإذلال
تحكي "هيام.و" الموظفة بإحدى شركات القطاع الخاص أنها عملت بشركات عدة قبل أن تستقر في عملها الحالي، وخلال عملها بشركة دعاية وإعلان كان صاحب الشركة يصر على إلقاء النكات الجنسية وسط موظفيه بصوت عال، مما اضطرها لترك العمل، غير أن زميلاتها اضطررن للبقاء "حفاظا على لقمة العيش".

أما عابد الموظف بإحدى الهيئات الحكومية (34 عاما) فيربط بين ما حدث له أثناء خدمة التجنيد الإجباري بالجيش، وما يحدث له في وظيفته حاليا بقوله "من الواضح أننا وقعنا أسرى للتسلط والتجبر طوال حياتنا، فمن ضباط ومساعدين يتفنون في إذلالنا كمجندين، إلى صغار المديرين الذين يتلذذون بتعذيبنا طوال ساعات العمل".

يروي عابد كيف أن رئيس القسم الذي يعمل به يضطهد أحد الشباب الجامعي حديث التعيين الذي قال له يوما "إن أهلنا لم يعلمونا كي نعمل في هذا الذل" بعد أن طلب منه إنزال ملفات تملأ دولابا كبيرا لينفض عنها التراب ثم يعيدها مرة أخرى، فما كان من المدير إلا أن رفع تقريرا لوقف خطوات تثبيته بالعمل، لكن بعد تدخل الزملاء تقرب الشاب من المدير الذي بدأ يكلفه بخدمات شخصية كأن يدفع له الفواتير ويخرج مبكرا بعض الأيام لإحضار ابنتيه من المدرسة.

‪ارتفاع الأسعار وتدهور الأحوال المعيشية دفع العديد من أبناء الطبقة الوسطى إلى ما دون خط الفقر‬ (الجزيرة)


"الحيطة المايلة"
رغم صعوبة فصل الموظف الحكومي مقارنة بنظيره في القطاع الخاص، فإن المديرين يستطيعون مضايقة مرؤوسيهم والتحكم في أرزاقهم بطرق كثيرة، منها إيقاعهم في حالة الرسوب الوظيفي بمنحهم تقديرات ضعيفة في التقارير المؤهلة للترقي، بحسب المحامي المتخصص في القضايا العمالية ياسر سعيد.

يضيف سعيد "من هنا يمكن تفهم خضوع بعض الموظفين لرؤسائهم بالشكل الذي يمكن أن تلمسه بسهولة داخل الهيئات الحكومية، فهناك موظفون يعانون من توقيع الجزاءات والتأخير في الترقيات والعلاوات لأسباب لا تتعدى عدم استلطاف مديريهم، أو بسبب عقد نفسية ومركبات نقص يعاني منها رؤساء العمل".

بينما يرى المحامي بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية محمد عيسى أن فئة الموظفين الصغار هم "الحيطة المايلة للكل"، فكثير من المديرين يعاملونهم كأنهم عبيد إحسانهم، ويستغلون ضعفهم في تنفيذ أعمال لا علاقة لها بالعمل، مثل قضاء حاجات منزلية وشراء الخضروات من السوق، مستغلين خوف الموظفين من الخصم وربما الفصل التعسفي.

ويستطرد عيسى "صحيح أن العالم كله به حكايات من اضطهاد بعض المديرين لموظفيهم، ولكنها تظل حكايات فردية ومتفرقة وخارج السياق العام، لكن في العالم الثالث ومصر تحديدا نقف على حكايات كثيرة من هذا النوع".

‪لا يجد الساسة غير صغار الموظفين ليكونوا كبش فداء لخطط التقشف‬ (الجزيرة)

كبش فداء
معاناة الموظفين امتدت إلى التضحية بهم، فبحسب عيسى لا يجد الساسة غير صغار الموظفين ليكونوا كبش فداء لخطط التقشف، مشيرا إلى القوانين التي صدرت مؤخرا وتستهدف فصل الموظفين الحكوميين، مثل فصل الموظف متعاطي المخدرات، مؤكدا أنه مع هذا القرار، مستدركا "لكن من يضمن ألا يمتد التلاعب في نتائج التحاليل، سواء لفصل الموظفين غير المرضي عنهم، أو الإبقاء على المقربين من المديرين".

الأخطر في هذا الصدد هو فصل من ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهو الانتماء الذي لا يمكن إثباته وبالتالي تستخدمه الأجهزة الأمنية والمديرون في فصل غير المرضي عنهم أو لتخفيف أعداد الموظفين.

‪مدير حكومي: تكاسل الموظفين الزائد هو السبب في معاقبتهم‬ (غيتي)

تكاسل الموظفين
في المقابل، يفضّل مدير إحدى الهيئات التابعة لوزارة الصحة بمحافظة الجيزة -رفض ذكر اسمه- عدم تعميم الأمر على كل المديرين قائلا "صحيح أن هناك بعض المديرين بكل القطاعات لا يراعون الله في موظفيهم، لكن في المقابل هناك حالات تكاسل زائد من قبل بعض الموظفين".

يضيف المدير الحكومي "بعضهم يريد أن يأتي العمل ليأكل ويحتسى الشاي ثم يمسك جواله طوال اليوم بين ألعاب ومتابعة لمواقع التواصل، ولعلك تقابل أمثال هؤلاء حين تتعامل مع الجهات الحكومية بالذات".

وأكد وصول شكاوى كثيرة من هذا النوع مما يستوجب لفت نظر الموظفين وربما معاقبتهم بشكل أو بآخر، متسائلا "فهل يعتبر ذلك اضطهادا؟".  

‪تراجعت احتجاجات العمال والموظفين على ظروف العمل نتيجة الإجراءات القمعية‬ (الجزيرة)


انتحار
من جانبه، يلفت الحقوقي شادي محمود النظر إلى تراجع احتجاجات العمال والموظفين في العامين الأخيرين نتيجة الإجراءات القمعية التي أسهمت بشكل كبير في التضييق على الحراك الاحتجاجي العمالي، ففي عام واحد بين مايو 2016 وأبريل 2017 تمت محاكمة 186 عاملا، وفصل وإيقاف 2691 آخرين بسبب مطالب مشروعة تتمثل في زيادة رواتبهم.

بل إن مؤشر الديمقراطية رصد تطور شكل الاحتجاجات نتيجة سوء ظروف العمل في مصر إلى التفكير في الانتحار، حيث أقدم 13 عاملا على الانتحار خلال الفترة المذكورة.

ووصل الأمر -والكلام لمحمود- إلى أن الاحتجاجات السلمية التي قامت نتيجة لسوء بيئة العمل تعرض أصحابها للحبس مثلما حدث مع العاملين بشركة طرة للأسمنت، حيث جرى حبسهم شهرا وفصلهم عن العمل بتهمة المشاركة في احتجاج غير مصرح به، والاعتداء على قوات الأمن رغم سلمية الاعتصام.

ووفقا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بلغ حجم قوة العمل بمصر في عام 2017 نحو 29 مليونا، ما يمثل 46.6% من إجمالي السكان، بينهم نحو 22 مليونا من الذكور، مقابل سبعة ملايين من الإناث.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من اجتماعي
الأكثر قراءة