مدرجات الملاعب.. رأس الحربة في الحراك الجزائري

كثيرا ما عبر الشباب الجزائريون عن مواقفهم السياسية في مدرجات الملاعب (الجزيرة)
كثيرا ما عبر الشباب الجزائريون عن مواقفهم السياسية في مدرجات الملاعب (الجزيرة)
تميزت مدرجات الملاعب الجزائرية منذ زمن بعيد بأنها مكان يعبر فيه الشباب الجزائريون عن مطالبهم السياسية وهم يستمتعون بمباريات الكرة، وقد استخدم المتظاهرون ضد نظام الرئيس الجزائري المستقيل عبد العزيز بوتفليقة العديد من أغاني أندية العاصمة في احتجاجاتهم الحالية.

وفي مقال للصحفي ميكائيل كوريا بمجلة لوموند ديبلوماتيك، أوضح الكاتب أهمية الأغاني الرياضية في الحراك الجزائري، مشيرا إلى أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أعلن استقالته والحشود تغني "لا كاسا ديل موراديا"، وهي أغنية أنصار الاتحاد الرياضي لمدينة الجزائر العاصمة التي أصبحت ترنيمة الاحتجاجات منذ يوم الجمعة 22 فبراير/شباط تاريخ أول مسيرة سلمية ضد النظام.

ويستحضر عنوان الأغنية القصر الرئاسي الذي يتماهى مع قصر بابل في مسلسل تلفزيوني إسباني يضم مجموعة من اللصوص المحترفين، في تعبير عن "اشمئزاز" ويأس الشباب الجزائريين من استمرار الوضع السيئ الذي تعيشه البلاد، كما يقول الكاتب.

وقد أصبحت أغاني الملاعب في الجزائر ثقافة موسيقية منذ 15 عاما، ومن أشهرها فرقة مشجعي مولودية الجزائر التي أطلقت في يناير/كانون الثاني الماضي أغنية "عام سعيد" التي تنتقد بشدة تآكل النظام القضائي وتتهم ضمنا سعيد بوتفليقة الأخ والمستشار الخاص للرئيس المستقيل.

الملاعب مراكز احتجاج
أما مشجعو نادي الاتحاد الرياضي في مدينة الحراش بضواحي الجزائر العاصمة فقد اشتهروا بأغنيتهم "شكون سبابنا؟" (من المسؤول عن مصائبنا؟)، في إشارة مباشرة إلى الدولة باعتبارها مسؤولة عن هشاشة الشباب الجزائريين، كما يشرح الكاتب.

ويقول مهدي مهلول (17 عاما) -وهو أحد أنصار اتحاد العاصمة- إن "لا كاسا ديل المرادية" تلخص رؤية أغلبية الشباب الجزائريين للنظام"، ولذلك بلغت مشاهداتها منذ أن نشرت على يوتيوب في أبريل/نيسان 2018 أكثر من خمسة ملايين مشاهدة، ويتغنى بها الطلاب في المدارس يوميا، فلا غرابة إذًا أن تصدح بها الحناجر في الميادين وساحات التظاهر، حسب هذا الشاب.

ورأى الكاتب أن الشباب الجزائريين الذين يعانون من الهجرة السرية وتنخر المخدرات أجسامهم ويرزحون تحت سلطوية الدولة وفساد الزعماء ويشعرون بالاحتقار وتشردهم البطالة الجماعية يجدون اليوم في كلمات هذه الأغاني الشعبية متنفسا وتعبيرا عن هواجسهم.

ويقول السياسي يوسف فاتيس -من جامعة باريس نانتير- إن الملاعب منذ الاستقلال عام 1962 "أصبحت هي مكان التعبير عن المطالب الاجتماعية لكل الشباب"، مشيرا إلى أن "أندية كرة القدم تاريخيا كانت دائما مكانا للاحتجاج على السلطات، ولديها بعد اجتماعي سياسي في المقاومة والنضال ضد الاستعمار".

وقد كانت الملاعب دائما متنفسا خلال الفترة الاستعمارية، تغنى المشجعون فيها بالأناشيد الدينية لتسليط الضوء على هويتهم العربية الإسلامية، ومنذ عقد الألفين ظهرت فيها شعارات مناهضة للسلطوية وأغان أبرزت الدور الاحتجاجي النوادي الجزائرية، كما يقول فاتيس.

وبسبب عناد المقربين من الرئيس بوتفليقة من أجل بقائه في السلطة، كان مشجعو الأندية الرياضية هم شرارة الانتفاضة المناهضة للنظام المستمرة منذ 22 فبراير/شباط، حسب فاتيس.

وفي الملاعب، تقدم فرق الألتراس (المشجعون المتطرفون في تمسكهم بالنادي) العروض أثناء الألعاب مع الأغاني واللافتات والرسوم المتحركة، سواء كان هؤلاء موالين لسلطة الدولة أم لا، فهم يطرحون مشكلة كبرى للأنظمة، مما يعرضهم لقمع الشرطة.
قاطعوا الملعب لصالح البلد
وفي مايو/أيار 2018 خلال نهائي كأس الجزائر هاجم أنصار مولودية الجزائر بشراسة نادرة الشرطة ورئيس الوزراء آنذاك أحمد أويحيى كما يقول الكاتب، مشيرا إلى أن مسيرات منظمة للغاية قام بها المشجعون بعد ذلك بأشهر وهم يرتدون قمصان فريقهم ويغنون بأغان معادية للنظام أثارت اهتمام الجزائريين.

وعلاوة على ذلك -يقول الكاتب- أعلنت مختلف الألتراس الجزائرية منذ بداية الحراك الحالي عن "الخاوة" الأخوة فيما بينها، لتوحيد قواتها ضد النظام.

وقد تجلت هذه الأخوة -حسب الكاتب- في الشعارات التي رافقت "دربي الإخوة الأعداء" بين اتحاد العاصمة ومولودية الجزائر يوم 14 مارس/آذار، إذ كتب على الجدران "لا يمكنك الذهاب إلى حفل زفاف عندما تكون والدتك مريضة"، و"قاطعوا الملاعب لصالح البلاد والنادي، نطلب من جميع المؤيدين الذهاب في طريق واحد وعدم ترك أي فكرة تباعدنا، سندعم الجزائر غدا في الشوارع".

وبالفعل -يقول الكاتب- بقيت ثلاثة أرباع الملعب فارغة يوم المباريات، وهو أمر لم يسمع به في تاريخ كرة القدم الجزائرية، وقد ألغيت زينة الملعب مع الإشارة من قبل أعضاء الألتراس إلى أن "جمال المدرجات في ديربي الجزائر السابق استغلته الدولة لإظهار صورة مشوهة للواقع الاجتماعي للبلاد".

ونبه أعضاء الألتراس إلى أن "كرة القدم لا ينبغي أن تكون أداة لتنويم الشباب وتشتيت انتباه الشعب"، وفي الدقائق الخمس الأخيرة من المباراة رفعوا شعارات معادية للنظام وداعمة للقضية الفلسطينية من كلا الطرفين في انسجام تام.
المصدر : الصحافة الفرنسية