الحرب بالخطأ.. خبراء يضعون سيناريو للمواجهة المحتملة في الخليج

الحرب بالخطأ.. خبراء يضعون سيناريو للمواجهة المحتملة في الخليج

طائرة تقلع من على سطح حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لنكولن في بحر العرب (رويترز)
طائرة تقلع من على سطح حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لنكولن في بحر العرب (رويترز)

محمد المنشاوي-واشنطن

بعد أن نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مصدر استخباراتي أميركي أن واشنطن حصلت على صور تظهر صواريخ كاملة جهزت بها قطع بحرية في موانئ إيرانية مختلفة، اُعتبرت الصور دليلا على استعداد الحرس الثوري الإيراني للهجوم على الأسطول الأميركي في الخليج وبحر العرب.

ويرى بعض الخبراء الأميركيين أن من شأن القراءة الخاطئة لنوايا الطرف الآخر أن تعزز من مخاطر اندلاع اشتباكات عسكرية لا يسعى إليها الطرفان الأميركي والإيراني.

وتشهد مياه الخليج وبحر العرب توترا متزايدا بين إيران والولايات المتحدة إثر إرسال واشنطن المزيد من القطع البحرية المتقدمة التي من بينها حاملة الطائرات أبراهام لنكولن، إضافة إلى قاذفات بي-52 العملاقة والمزيد من بطاريات صواريخ باتريوت، في استعراض للقوة وكخطوة احترازية ضد أي تهديدات إيرانية.

مخاطر سوء التقدير
يستغرب المسؤول السابق بالخارجية الأميركية والباحث بمعهد "ويلسون" ديفد آرون ميلر الرواية التي تقول إن إيران تصعد تهديداتها لواشنطن وحلفائها، ويقول "هل لدى إيران قدرة على إطلاق صواريخها الباليستية من مراكب صغيرة؟ ولماذا تخاطر طهران بكشف ترسانتها من الصواريخ في مرمى نيران العداء مما يعرضها لخطر هجمات أميركية؟ هذا ممكن فقط في عالم ترامب".

وكذلك يعتقد الخبير في الشأن الإيراني والأستاذ بجامعة جورج تاون الأميركية جيم سيرسينيو أنه لا توجد تهديدات إيرانية للولايات المتحدة. وشكر سيرسينيو مئات النشطاء والصحفيين والسياسيين والخبراء ممن "رفعوا أصواتهم احتجاجا لوقف خطر جون بولتون، وهو ما دفع ترامب لعدم تبني رأي مستشاره للأمن القومي".

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أكد في رسالة واضحة وبلغة مباشرة أنه لا يريد الحرب مع إيران، ويرى سيرسينيو أن موقف ترامب جاء في توقيت فاصل، وأحدث أثرا كبيرا على ما يبدو، ومثّل تحجيما مؤقتا للراغبين في إشعال حرب مع طهران.

غير أن سيرسينيو عاد وحذر قائلا "ربما يستمر تردد ترامب في اللجوء للخيار العسكري لبعض الوقت، لكنه لن يستمر لشهور. في الوقت ذاته يسيطر بولتون على مؤسسة الأمن القومي داخل البيت الأبيض بصورة كبيرة، وإذا لم يتم تحجيمه بشدة قريبا، سيحتاج فقط لمبرر لشن هجمات على إيران".

ويؤمن الحلفاء الأوروبيون، كما يؤمن الكثيرون في دوائر واشنطن، بأن إدارة ترامب تقف وراء التصعيد الأخير وليس العكس، وهو ما دفع إيران لاتخاذ تدابير احترازية طبقا لرؤية الخبير الأميركي سيرسينيو.

ويرى بعض الخبراء أن التوتر الحقيقي في العلاقات مع طهران قد بدأ مع الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، وما تبع ذلك من وصول جون بولتون لمنصب مستشار الأمن القومي، وهو الرجل المعروف برغبته في الحرب وتغيير النظام في طهران.

وسيقوم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بإطلاع كبار قادة الكونغرس على تطورات الأوضاع في الخليج، ويتساءل سيرسينيو "ماذا سيبلغ بومبيو الكونغرس؟ هل سيخبرهم أن التصعيد بدأ مع إعادة فرض المزيد من العقوبات منذ الانسحاب من الاتفاق النووي؟ أم يقدم لأعضاء الكونغرس صورة دراماتيكية تُظهر اتصالات مختارة من داخل إيران؟ هل سيقوم بولتون باستخدام المعلومات الاستخباراتية بصورة توحي بوجود مخاطر حقيقية من إيران؟".

ولا يؤمن كثيرون في دوائر واشنطن بأن خطر اندلاع معارك قد ولّى، "فالخطر لم ينته بعد. هناك شبكة معقدة تدفع لخوض حرب مع إيران في واشنطن ولا تريد إلا تغيير النظام في طهران"، وفقا لسيرسينيو.

أولا: ادعاء إدارة ترامب أن نشر إيران لصواريخ على قطع بحرية وزوارق هو خطوة تصعيدية من جانب طهران. لكن الحقيقة أن الأمر يعبر فقط عن سوء قراءة وفهم رسائل الطرف الآخر، وهو ما قد يؤدي للحرب رغم أن سلوك الطرفين يكون دفاعيا بالأساس واحترازيا.

ثانيا: يحتفظ الإيرانيون بصواريخ وألغام في مخازن منتشرة في مختلف أنحاء إيران، وعندما يزداد التوتر تواجه طهران معضلة كبيرة تعقد حساباتها، إذا تمت مهاجمة هذه المخازن، إذ تفقد كل ما في حوزتها منها، لذا تلجأ إلى نشر الصواريخ والألغام على مراكب وزوارق وقطع بحرية في أماكن وموانئ مختلفة.

ثالثا: يبدو أن هذا هو ما حدث خلال الأيام والأسابيع الأخيرة. فمنذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي وفرض المزيد من الضغوط والعقوبات على طهران، زاد الحديث الأميركي عن تغيير النظام الإيراني. وبدأت طهران في الاعتقاد بأن واشنطن ربما تستعد للحرب، لذا نشروا صواريخهم وألغامهم في زوارقهم وأسطولهم البحري في الخليج.

رابعا: رأت واشنطن هذه الخطوات كتصعيد وكاستعداد لشن هجمات، من هنا تحركت واشنطن مبكرا حتى تكون مستعدة لشن هجمات وقائية لحماية مصالحها ومنشآتها وقواعدها. ولا يفهم الإيرانيون التحركات الأميركية الدفاعية بالأساس على هذا النحو، بل يدعم ذلك اعتقادهم بأن إدارة ترامب تستعد للحرب. ويتبع ذلك إسراع الإيرانيين باستكمال نشر ترسانتهم كي يستطيعوا حماية منشآتهم ومصالحهم، وهو ما يؤدي لمزيد من رسائل التصعيد للطرف الأميركي.

ما سبق يعد معضلة خطيرة كلاسيكية في حسابات المواجهات العسكرية، خاصة مع وجود إيمان راسخ لدى الخبراء العسكريين والمتخصصين في نظريات الحروب بأن هناك دوما ميزة وفرصة لمن يبدأ القتال. ومن هنا فسوء الحساب وارد من الطرفين، وهو ما يزيد من مخاطر اندلاع معارك لا يريدها الطرفان.

خطوط حمراء لم تتجاوزها إيران
تشير دراسات أميركية حكومية مختلفة إلى أن واشنطن صممت إستراتيجية عسكرية واضحة للتعامل مع النظام الإيراني منذ نجاح الثورة الإيرانية قبل أربعين عاما، تعتمد على احترام طهران لثلاثة خطوط حمراء.

وتدرك طهران أن تخطي أي من هذه الخطوط سيؤدي بواشنطن لشن هجمات عسكرية على إيران. وأشارت دراسة حديثة لخدمة دراسات الكونغرس إلى أن تلك الخطوط هي: منع إيران شحن النفط من خلال مضيق هرمز، واقتراب طهران من الحصول على سلاح نووي، ووجود تهديد عسكري حقيقي من إيران لأحد حلفاء واشنطن الخليجيين.

ورغم عدم تخطي طهران أي خط أحمر، فإن سوء التقدير من الطرفين قد يزيد من مخاطر اندلاع اشتباكات لن تبقى محدودة في نطاقها أو طبيعتها، وفقا لعسكريين إيرانيين.

المصدر : الجزيرة