"عمي حميد".. دراجة هوائية لعبور حلم من حراك الجزائر للمسجد الأقصى

عمي حميد يقطع 60 كلم ذهابا ومثلها إيابا كل جمعة للمشاركة بمسيرات الجزائر (الجزيرة)
عمي حميد يقطع 60 كلم ذهابا ومثلها إيابا كل جمعة للمشاركة بمسيرات الجزائر (الجزيرة)

الخير شوار-الجزائر
 
منذ الفاتح من مارس/آذار الماضي، تعوّد "عمي حميد" على السفر كل يوم جمعة من مدينته الساحلية الصغيرة "زموري" إلى الجزائر العاصمة على درّاجته الهوائية، قاطعا مسافة ستين كيلومترا في بضع ساعات، مهما كان الجو مشمسا أو ممطرا أو غائما.
 
ولم يعان مثلما عانى في "الجمعة 13" عندما كان يسير عكس اتجاه الريح، وكان يضطر كل مرة للنزول من دراجته مفضلا المشي رغم الصوم والعطش والتعب وثقل الأيام.

عندما انطلق من زموري حوالي الثامنة من صباح أمس، كان ينوي الوصول مبكرا ليستريح قليلا ثم يُصلي الجمعة في أحد مساجد وسط العاصمة، قبل أن ينزل بعدها إلى ساحات الحراك عند البريد المركزي أو ساحة موريس أودان، لكن وكما يقول المتنبي "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن" وقد جرت الرياح فعلا عكس ما اشتهته دراجته البسيطة وقضى ست ساعات كاملة في الطريق.

صلى سريعا ونزل إلى الحراك قرب البريد المركزي، ولم يفارق دراجته ورايتيه الجزائرية والفلسطينية، وكان نجما حقيقيا، والناس يطلبونه كل حين لأخذ صور معه.

وكم كانت فرحته عارمة عندما قدّم له أحدهم هدية بسيطة هي بعض من فاكهة "المشمش الهندي" المعروفة بالجزائر باسم "الزعرور" أو "المشيمشة" وكان يقول إنه سيفطر على تلك الفاكهة وعلى الماء إذا ما داهمه وقت المغرب وهو في طريقه للعودة إلى زموري.

يقترب منه شاب يدعى توفيق، ويطلب منه أخذ صورة، ورغم التعب يلبي الطلب، فأسأل الشاب "هل تعرفه؟" ويجيب الشاب "نعم أعرفه، وقد رأيت صوره وقرأت عنه في مواقع التواصل، هو أيقونة من أيقونات الحراك، ومثال للسلمية، يخوض معركة نبيلة ولا يملك من السلاح إلا إرادة فولاذية ودراجة هوائية ورايتين جزائرية وفلسطينية".

رحلة شاقة من أجل هدف نبيل (الجزيرة)

ويفتخر العجوز (واسمه الحقيقي محمد محمدي) بأن الحراك جعله معروفا في جميع المناطق بالجزائر، وهو الذي لم يكن قبل ذلك معروفا إلا في محيطه الضيق، بل إن نجوميته جعلت تنقله من مدينته إلى العاصمة صعبا، فقد يضطر كل مرة للتوقف من أجل أخذ صور مع المعجبين وتبادل أطراف الحديث معهم، ويعتذر للذين يقترحون عليه نقله عبر سياراتهم الفاخرة مواصلا التحدي رغم السن وأحوال الجو.

ولأن الإرادة وحدها لا تكفي مع ثقل السنين، فإن "عمي حميد" الذي اختار التقاعد بعد أن قضى سنين طويلة في الإدارة، ما كان له أن يبدأ تحديه لولا رصيده الرياضي القديم وهو الذين مارس أيام شبابه رياضات الجودو والملاكمة وألعاب القوى، وما يزال يمارس الرياضة حفاظا على لياقته البدنية.

لم يكن يخطط للأمر، لكن الفكرة جاءت عندما سافر أول جمعة للحراك الشعبي في 22 فبراير/شباط الماضي من بلدته الصغيرة إلى مدينة بومرداس (عاصمة ولايته) وفي الجمعة اللاحقة قرر أن يشارك في حراك العاصمة وكان ينوي السفر عبر قطار الضواحي، وعندما تنقّل إلى المحطة تفاجأ بأنها مغلقة وحركة القطارات متوقفة تماما، وحينها اختار السفر بالدراجة قاطعا مسافة الستين كيلومترا ذهابا ومثلها إيابا، وكانت بداية الرحلة المتواصلة إلى الآن.

ولأن صدى الحراك بمدينة برج بوعريريج (حوالي 240 كيلومترا شرق العاصمة) كان قويا، فقد غامر إليها الرجل في إحدى الجمعات قاطعا مسافة طويلة بإمكانياته البسيطة، وهناك وجد الصدى الجميل الذي أنساه مشقة السفر.

ويعجب محدثنا من السؤال عن سر حمله للعلم الفلسطيني إلى جانب الجزائري، فهو يرى الأمر بديهيا، وكأن هذا العلم هو الوجه الآخر للعلم الجزائري، ويرى أن تحرر الجزائر من الفساد بداية لتحرر فلسطين.

ولعمي حميد حلم يتمنى أن يحققه وهو أن يسافر يوما على دراجته الهوائية إلى فلسطين. هو لا يعرف تعقيدات الطريق بدقة، لكنه مستعد لأن يركب دراجته تارة ووسائل نقل أخرى تارة أخرى، حتى يؤدي يوما صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى، وما يزال ينتظر من يساعده على تحقيق حلمه.

المصدر : الجزيرة