صلاحيات الهياكل الانتقالية بالسودان.. هل قدم الثوار الثانوي على الأساسي؟

عبد الله محمد-الخرطوم

العنف ضد المعتصمين في الشوارع الطرفية لميدان الاعتصام بالخرطوم، وما تبع ذلك من تعليق التفاوض؛ قلل فرحة السودانيين بالاتفاق الذي توصلت إليه قوى الحرية والتغيير مع المجلس العسكري بشأن تحديد صلاحيات مؤسسات السلطة الانتقالية، وهي مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، والمجلس التشريعي.

الاتفاق حدد مهام مجلس السيادة في القيام بمهام رأس الدولة في تعيين رئيس القضاء المُختار من مجلس القضاء العالي، واعتماد تعيين السلطة التنفيذية (مجلس الوزراء) وإعلان حالة الطوارئ بتوصية من مجلس الدفاع والأمن، الذي هو جزء من مجلس الوزراء، وليس مستوى من مستويات الحكم.

ولمجلس السيادة صلاحيات تعيين سفراء السودان في الخارج، وقبول أوراق اعتماد السفراء الأجانب، ورعاية قضايا الحرب والسلام، بينما نص الاتفاق على صلاحيات كاملة لمجلس الوزراء في إدارة العمل التنفيذي، وإعداد مشروعات القوانين، وسن التشريعات والقوانين والمصادقة على الاتفاقيات مع الدول الأخرى، وإنشاء المفوضيات المتخصصة.

في حين يقوم المجلس التشريعي بمراقبة أداء الوزارة، وله الحق في سحب الثقة منها وتعيين رئيس وزراء جديد، وهي الصلاحية التي أحيلت للمجلس التشريعي باعتبار أن نظام الحكم في السودان نظام برلماني.

تلافي التعارض
يؤكد ساطع الحاج عضو الوفد المفاوض عن قوى الحرية والتغيير أن الاتفاق حدد العلاقات الأفقية والرأسية بين السلطات الثلاث، لتلافي التعارض في الاختصاصات. وما لم يتم الاتفاق بشأنه -يقول ساطع- يتعلق بنسب المشاركة في مستويات الحكم الثلاثة وأسماء المرشحين.

وبموجب الاتفاق، حازت قوى إعلان الحرية والتغيير على نسبة 67% من مقاعد المجلس التشريعي، لكن فرحة الثوار بهذا النصر تناقصت بسبب العنف الذي غمر بعض الشوارع بُعيد توقيع الاتفاق، وإعلان المجلس العسكري تعليق التفاوض مع قوى إعلان الحرية والتغيير.

ينتقد الناشط المدني عماد الدين آدم بابكر مفاوضي قوى إعلان الحرية والتغيير لقبولهم تأجيل التفاوض حول نسب المشاركة بين العسكريين والمدنيين، ويقول إنهم بذلك قدموا الثانوي على الأساسي، وكان المأمول حسم هذه التفاصيل حتى لا تسبب ربكة للاتفاق مستقبلا.

أما أستاذة القانون الدستوري والدولي بجامعة النيلين الدكتورة زحل محمد الأمين فترى أن الاتفاق "معقول ويتناسب مع متطلبات المرحلة الانتقالية"، ولا تستبعد أن يشوب المرحلة الأولى من تنفيذه تداخل في صلاحيات مستويات الحكم بطبيعة العمل اليومي، كما توقعت أن "تقوم بقايا النظام السابق بوضع العصي في دولاب العمل، نظراً لثلاثين عاماً من أدلجة مؤسسات الحكم".

نقطة خلافية أخرى تشير إليها الدكتورة زحل، تتمثل في مطالبة المجلس العسكري بالأغلبية ورئاسة مجلس السيادة، وهو "ما يتهيب منه الثوار"، وتقول إن عليهم الاعتراف بأن الجيش هو المؤسسة صاحبة القوة، مؤكدة أنهم يستطيعون العمل معه لإنجاح الفترة الانتقالية.

سلطة شرفية
ولا يرى الناشط الحقوقي الدكتور نبيل أديب أن طلب المجلس العسكري للأغلبية داخل مجلس السيادة يؤدي إلى تركيز السلطة في يد الجيش، لأن الاتفاق أعطى مجلس السيادة سلطة شرفية وتشريفية، فحقق بذلك مطلب الثورة الأساسي في نقل السلطة للمدنيين، ويصف الاتفاق بأنه "أفضل ما يمكن إنتاجه، وأجود ما يمكن التوصل إليه في ظل أوضاع السودان الراهنة".

كمال بولاد -عضو قيادة قوى الحرية والتغيير- يشير إلى أن صلاحيات هياكل السلطات الثلاث لبت مطالب قوى الثورة التي نالت أغلبية الثلثين داخل المجلس التشريعي، وأن ما تبقى (نسبة 33%) سيكون من حظ غير الموقعين على ميثاق قوى الحرية والتغيير، كحركة تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور، والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، وكيانات سياسية أخرى، مثل الجبهة الوطنية العريضة وغيرها.

ويغلق الاتفاق كل الأبواب أمام عناصر النظام السابق للالتحاق بإدارة الفترة الانتقالية، لأن المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير -يقول بولاد- اتفقا على معيار محدد هو استبعاد رموز النظام السابق.

ويبدي بولاد تفهمه لإصرار المجلس العسكري على الحصول على أغلبية داخل مجلس السيادة، قائلا إن قوى الثورة بالضرورة تحتاج شريكا قويا لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة.

ولا يستبعد ظهور إشكاليات عند تنفيذ الاتفاق، لأن الممارسة السياسية لها إشكالاتها وتعقيداتها، ويقول إن إرادة التغيير لدى الطرفين هي الضمانة الأساسية لوصول الثورة السودانية إلى غاياتها.

المصدر : الجزيرة