مساعدات الكنيسة المصرية.. دولة داخل الدولة أم واجب تفرضه الظروف؟

البابا تواضروس أطلق عام 2013 برنامجا للرعاية الاجتماعية ودعم فقراء المسيحيين (الجزيرة)
البابا تواضروس أطلق عام 2013 برنامجا للرعاية الاجتماعية ودعم فقراء المسيحيين (الجزيرة)

كريم عادل-القاهرة

الرصاصات التي أطلقها حارس مسيحي مصري الاثنين الماضي لم يقتصر أثرها على قتل مقار سعد القس البارز بكنيسة مار مرقس في حي شبرا بالقاهرة، وإنما أعادت فتح ملف مسكوت عنه هو المساعدات التي تقدمها الكنيسة لشعبها القبطي.

فخلال تحقيقات النيابة العامة، أقر كمال شوقي (موظف بالكنيسة) بأنه أطلق النار على القس بسبب عدم وفائه بوعوده بمساعدته في تكاليف زواج ابنته.

وكانت الكنيسة الأرثوذكسية أطلقت عام 2013 برنامجًا للرعاية الاجتماعية لسد احتياجات الأسر المسيحية الفقيرة، وخصصت لهذا الغرض 30% من إيرادات الكنائس.

وأطلق البرنامج -الذي يرعاه البابا تواضروس الثاني- دليلا للخدمة يتعرف من خلاله الكهنة على الطريقة المثلى للمشاركة في هذا البرنامج الذي يسعى لتكوين قاعدة بيانات لكل الأسرة المسيحية المحتاجة وسد حاجاتها بشكل منظم ومرتب.

وبينما يحذر سياسيون مما يرونه تغولا للكنيسة وسعيا منها لأن تصبح دولة داخل الدولة، تقول الكنيسة إنها وجدت نفسها مضطرة لمساعدة أبنائها الفقراء نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية وزيادة معدلات الفقر.

دور مهم
ولم تشهد أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية -المعنية بالمساعدات والتي أنشئت عام 1962- اهتماما بحسب مراقبين مثلما شهدت في عهد تواضروس الذي شارك في ثلاثة لقاءات علنية في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، مع أعضاء لجنة البر بالكنائس بمصر في ديسمبر/كانون الأول 2018.

ونفى البابا وقتها ضمنيا ما يتردد بأن الكنيسة تخدم شعبها (الأقباط الأرثوذكس) مؤكدا أن الكنيسة في خدمة المجتمع دون النظر لأي اعتبار آخر.

وأعلن البابا كذلك تخصيص 30% من ميزانية كل كنيسة لأجل خدمة "إخوة الرب" وهو مصطلح كنسي يعني الفقراء، على مستوى جميع الكنائس، مع تفعيل نشاط لجنة البر بجميع كنائس الكرازة المرقسية.

وكشف -خلال افتتاحية مجلة الكرازة الناطقة بلسان الكنيسة بالعدد 152 الصادر يوم الجمعة 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 للمرة الأولى- عن أرقام المساعدات الكنسية التي بلغت نحو 15 مليون جنيه مصري (الدولار=17 جنيها) في الفترة من نوفمبر/تشرين الثاني 2017 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2018.

وأوضح أن هذه الأموال أنفقت للمساهمة في تكاليف زواج بعض الفتيات، ومساعدة ذوي الحاجة للمأوى والسكن.

وحول مصادر التمويل أكد البابا أن لجان البر بالكنيسة يعتمد في تمويلها على تبرعات الأقباط من خلال الأفراد والكنائس القبطية ورجال الأعمال، ويخضع لمتابعة إدارية ومحاسبية عبر الكنيسة التي تتلقى تقارير نصف سنوية وسنوية عن نشاطها وأعمالها.

حصلت الكنيسة على كثير من المكاسب والامتيازات بسبب دعمها لنظام السيسي (مواقع التواصل)

علامات استفهام
ورغم التوضيحات الكنيسة الرسمية، يرى الحقوقي ومدير منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان علاء عبد المنصف أن وضع أموال الكنيسة بمصر غير قانوني، ويثير علامات استفهام وتعجب كثيرة يجب أن تكون محل تحقيق قضائي مستقل وشفاف وعادل في ظل التمويل الغامض لها.

وأضاف في حديث للجزيرة نت أن هناك تشويشا كنائسيا على مسألة رقابة أجهزة الدولة المصرية على أموال الكنيسة ومشروعاتها بالخلط بين مفهوم الحرية الدينية والالتزام القانوني المفترض عليها للدولة، وهو أمر كنائسي غير مبرر قانونا ومخالف لمفهوم المواطنة وأن الكنيسة جزء من الدولة المصرية وأن المسيحيين هم مصريون بالأساس.

وأشار مدير منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان إلى أنه بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 جرت محاولات للرقابة المالية على جميع الأموال، ولكن الكنيسة رفضت أي محاولة للاقتراب من أموالها.

وأوضح أنه تم تقديم المادة 212 من دستور 2012 والتي تنص على أن "تقوم الهيئة العليا لشؤون الوقف على تنظيم مؤسساته العامة والخاصة وتشرف عليها وتراقبها، وتضمن التزامها بأنماط أداء إدارية واقتصادية رشيدة، وتنشر ثقافة الوقف في المجتمع" كباب للرقابة على الجميع ومنها الكنيسة، ولكن تم حذف المادة في دستور عام 2014 استرضاء للكنيسة التي دعمت انقلاب 3 يوليو/تموز 2013.

بدوره لا يمانع إيهاب شيحة رئيس حزب الأصالة (سلفي) في أن يكون للكنيسة دور اجتماعي، لكنه يرى أن المشكلة تكمن في أن يد السلطة مغلولة عن رقابة الكنيسة، بسبب دور الكنيسة الكبير في إقناع الدول الأوروبية بدعم السيسي.

وأضاف شيحة في تصريحات للجزيرة نت "خلال السنوات الأخيرة زج الأنبا تواضروس بالكنيسة في أتون السياسة لتصبح طرفا سياسيا، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الكنيسة مؤسسة فوق قانون الدولة وغير قابلة لفكرة المحاسبة".

أبدى عدد من الباحثين والمفكرين الأقباط قلقهم من انشغال القساوسة بجمع التبرعات (الجزيرة)

مشهد معقد
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يرى البعض الحاجة إلى استمرار الدعم الكنسي مع تجويده وفصل إدارته عن رجال الدين.

ويؤكد إسحق إبراهيم الباحث القبطي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وجود أزمة رعاية وتعليم في الكنيسة بغض النظر عن أسباب مقتل القس سواء مالية أو غيرها، مشددا على أن الأزمة تحتاج لتدخل جراحي عاجل، ولن يصلح معها المسكنات وشراء الوقت.

وأضاف إبراهيم -في تدوينة له على صحفته بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك- أن الوضع أصبح بائسا والكهنة اشتغلوا في البيزنس وإدارة الأمور المالية على حساب الخدمة.

وردا على تدوينة إبراهيم، علق نعيم إسكندر الخبير السابق بهيئة المعونة الأميركية في مصر قائلا "من واقع خبرة سابقة سيئة في رئاسة لجنة كنسية، على البابا تغيير أسلوب الإدارة تماما وفصل إدارة الكنيسة عن الآباء احتراما لهم".

المصدر : الجزيرة