بعد تعليق التفاوض.. مبررات العسكر وخيارات الثوار بالسودان

محتجون يرددون هتافات في وقت تستعد فيه قوات الأمن لتفريقهم اليوم الخميس (رويترز)
محتجون يرددون هتافات في وقت تستعد فيه قوات الأمن لتفريقهم اليوم الخميس (رويترز)
أحمد فضل-الخرطوم

تفسيرات متباينة أثارها تعليق المجلس العسكري بالسودان للمفاوضات حول انتقال السلطة وهي تمضي إلى شوطها الأخير، واضعين قوى الثورة أمام سيناريوهات لم تكن في الحسبان وخيارات للتعامل مع نوايا مفترضة.

والمثير للتساؤل أن المتاريس على الطرق والجسور التي جعلها المجلس العسكري أحد شروطه للعودة إلى طاولة التفاوض خلال 72 ساعة، كان يمكن رفعها وفض الاعتصام في ليلة تأجيل المفاوضات ذاتها، حال التوصل لاتفاق ينقل السلطة للمدنيين.

وقبيل ساعات من تعليق التفاوض كانت لجنة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير تعمل على إزالة المتاريس خارج محيط الاعتصام أمام قيادة الجيش، وباشر قادة الاعتصام إقناع المعتصمين ميدانيا بالعودة إلى حدود محيط الاعتصام عند السادس من أبريل/نيسان.

وكان مفاجئا لقوى الحرية والتغيير أن يعلق العسكر المفاوضات قبيل جولة أخيرة وحاسمة ليل الأربعاء حددت لمناقشة جوهر الخلاف وهو نسب العسكريين والمدنيين في مجلس السيادة.

ويخشى الثوار أن تكون الشروط التي ساقها المجلس العسكري للعودة إلى طاولة التفاوض خلال 72 ساعة، ما هي إلا غطاء للتنصل من اتفاقات توصل إليها مع قوى الحرية والتغيير، بحسب أحدهم.

خيارات مفتوحة
ويفترض صديق يوسف أحد مفاوضي قوى الحرية والتغيير حسن النوايا، وهو يقول إن البرهان أشار في بيانه إلى استئناف التفاوض خلال 72 ساعة.

ويؤكد يوسف -في تصريح للجزيرة نت- أن أي محاولة للعودة بالمفاوضات إلى المربع الأول ستكون مرفوضة، لأن التفاوض سيبدأ من حيث انتهى وما تم التوصل إليه هو بمثابة اتفاق أقر به قادة المجلس العسكري أمام الصحافة.

ويقول إن أي تنصل عن الاتفاقات سيكون مرفوضا ولا تراجع عن مطالب قوى الحرية والتغيير الأساسية التي لن تقبل برئاسة العسكر لمجلس السيادة، لأنه أمر مرفوض من الشعب والاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي.

وبحسب يوسف وهو قيادي بارز في الحزب الشيوعي، فإن خيارات النضال ستكون مفتوحة أمامهم إذا ما تنصل المجلس العسكري عن الاتفاقات وأعاق نقل السلطة للمدنيين.

ويتابع قائلا "نضالنا كان ضد إسقاط البشير ونظامه وهو ما حدث، المجلس العسكري جاء في منتصف الطريق ولن يتحكم فينا ويحقق مكاسب على حساب الثورة.. لا رجوع للخلف ولا توقف حتى ننجز سلطة مدنية بقيادة قوى الحرية والتغيير".

محتجون ينصبون حواجز بأحد الشوارع أثناء مظاهرة بالخرطوم (رويترز)

التصعيد مستمر
وتدرك قوى الحرية والتغيير أنها لا تملك سوى اعتصامها والإبقاء على جذوة التصعيد والتعبئة مشتعلة في الشوارع والأحياء.

وكانت قوى الحرية والتغيير قد بدأت حملة تصعيد قبل دخولها في مفاوضات مع العسكر لمدة 72 ساعة توصلت إلى اختراق لافت خلال يومين، لكن بيان رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان قطع الطريق أمام اليوم الحاسم والأخير بتعليق المفاوضات. 

وتضع هذه القوى المكاسب التي حققتها تحت ضغط الشارع نصب عينيها وتتأهب لاستئناف التفاوض مع المجلس العسكري مساء السبت بخطة تصعيد جديدة.

وأعلن تجمع المهنيين الذي تبنى مع حلفائه في قوى المعارضة الاحتجاجات منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي مواكب تحت مسمى "تسليم السلطة المدنية" مساء الخميس من الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري وشرق النيل صوب القيادة العامة للجيش.

وأصدر التجمع خارطة للاعتصام تم بناء عليها تراجع المعتصمين إلى محيط قيادة الجيش.

وأثناء جولات التفاوض يومي الاثنين والثلاثاء وقع المجلس العسكري تحت ضغط تصعيد واسع بتوسع محيط الاعتصام حتى شارع المك نمر وإغلاق جسرين، فضلا عن المتاريس التي أوقفت حركة السير في غالب الطرق الرئيسة بمدن ولاية الخرطوم.

عبد الفتاح البرهان دعا إلى إزالة المتاريس خارج محيط الاعتصام وفتح خط السكة الحديدية ووقف التحرّش بالقوات المسلحة وقوات الدعم السريع والشرطة واستفزازها (الجزيرة)

تأثيرات خارجية
ويوما بعد يوم تتزايد الاتهامات بتعرض المجلس العسكري لضغوط من قوى إقليمية في المنطقة خاصة حلف الامارات والسعودية ومصر.

ووصف زعيم حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم، رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان حميدتي بأنهم "رجال" الإمارات والسعودية اللتين ترغبان مع مصر في إضفاء شرعية على حكم للعسكريين.

ويقول إبراهيم في تسجيل صوتي بثه الخميس، إن الرياض وأبو ظبي والقاهرة لا تريد نموذجا ديمقراطيا بالمنطقة، وعليه لا ترغب في جسم مدني يحكم السودان.

ويحذر من أن الوضع غير مطمئن وثمة مخاوف من تضخيم قوات الدعم السريع وتسليحها من الإمارات ما يدفع الجيش للصدام معها بسبب "الغيرة"، فضلا عن استعداد العلمانيين واليساريين ليكونوا مطية للإمارات بضرب الإسلاميين.

ويدعو زعيم حركة العدل والمساواة الأطراف لعدم تمرير الأجندة الخارجية والحذر من تجربة الإمارات السيئة في اليمن وليبيا، وهي نماذج يمكن أن تحدث في السودان.

ضغوط داخلية
ويرجح مراقبون تعرض المجلس العسكري لضغوط داخلية من أطراف داخل المجلس، فضلا عن قوى محسوبة على التيارات الإسلامية ترفض الاتفاقات بين العسكر وقادة المعتصمين.

وكانت المفاوضات قد توصلت لاتفاق يقضي بأن تستحوذ قوى الحرية والتغيير على 67% من مقاعد المجلس التشريعي وفترة انتقالية لثلاث سنوات.

ومنذ مساء الأربعاء حاولت تيارات دينية مجددا الدخول في المشهد عبر مسيرة لتيار نصرة الشريعة الإسلامية قادها الداعية محمد عبد الكريم في شارع الستين بالخرطوم.

وستكون الأيام الثلاثة التي حددها المجلس العسكري فرصة لكيانات مناوئة لقوى الحرية والتغيير، لمحاولة التأثير في اتفاقاتها مع العسكر.

وحذر الناشط السياسي عمار السجاد في بيان باسم شباب حزب المؤتمر الشعبي وثواره في الحراك الثوري، المجلس العسكري من اعتماد فصيل دون فصيل لمجرد ارتفاع صوته، متهما قوى الحرية والتغيير بمحاولة سرقة الثورة.

وتتزايد إرهاصات بأن العسكر يتجهون للتنصل عن الاتفاقات بحسب ما يقول الكاتب والباحث محمد جلال هاشم في مقاله الخميس الذي اعتبر "خطاب الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري بمثابة مقدمة نحو التنصل التام من أي اتفاق مع قوى الحرية والتغيير".

ولا يبدو أمام قوى الحرية والتغيير سوى التعامل مع العسكر بمد حبال الصبر حتى السبت، مع الاستعداد لأسوأ الخيارات بعد أن حاول العسكريون نفي سلمية الثورة.

المصدر : الجزيرة