معول الهدم الإسرائيلي للمقدسات يتواصل بذكرى النكبة

معول الهدم الإسرائيلي للمقدسات يتواصل بذكرى النكبة

مئذنة مسجد البحر بطبريا وقد أحاطت بها المباني الفندقية (الجزيرة)
مئذنة مسجد البحر بطبريا وقد أحاطت بها المباني الفندقية (الجزيرة)

محمد محسن وتد-طبريا

يواجه مسجد البحر في طبريا بشمالي فلسطين مخططا لتحويله لمتحف للآثار القديمة، وهو المخطط الذي عُطّل من قبل الفعاليات السياسية والقوى الوطنية والإسلامية بالداخل الفلسطيني التي تصدت للبلدية الإسرائيلية وطالبت بفتحه للصلاة، علما بأن المسجد مغلق منذ النكبة.

ويعكس ما يتعرض له مسجد البحر بطبريا الذي شيد عام 1702، واقع المقدسات الإسلامية والمسيحية بفلسطين المحتلة والتي تعرضت للانتهاكات والتدنيس والتهويد من قبل المؤسسة الإسرائيلية.

ففي عام 2000 أضرمت النيران بالمسجد وحوّل لمستودع لشركات العقارات الإسرائيلية التي شيدت شققا فندقية على تخومه، وتزعم بلدية طبريا أن هذا المبنى ليس مسجدا، وأنه ضمن ملكيتها منذ العام 1952، وتصر على تحويله لمتحف.

ويتهدد ما صمد من المقدسات في طبريا، وأيضا مختلف المقدسات والأراضي الوقفية وعقارات اللاجئين، مخططات البيع بالمزاد العلني أو التأجير، حيث قامت محال تجارية وترفيهية وسياحية على أطلالها وأنقاضها، كما هي الحال في مسجد يوسف عمر الظاهر الزيداني، القريب من مسجد البحر في طبريا، حيث شيد عام 1742.

ويعاني مسجد الزيداني من تصدعات ويحتاج إلى ترميم وما زال مغلقا ولا يسمح بفتحه خشية أن يستخدم للصلاة، وأعدت البلدية مخططا لتغيير استخدام الأرض والمسجد وتطوير ساحته.

مسجد الزيداني بالبلدة القديمة بطبريا مغلق ويواجه مخططا لتطويره إلى مشروع سياحي تجاري (الجزيرة)

طمس وانتهاكات
خلال عام النكبة تعرضت القرى والمدن الفلسطينية إلى التهجير والتدمير، وامتد ذلك إلى المقدسات الإسلامية والمسيحية، إذ هدمت مئات المساجد والكنائس والمقامات.

كما دمرت وجرفت مئات المقابر والمصليات التي ما زالت تتعرض إلى انتهاكات مستمرة وطمس من قبل المؤسسة الإسرائيلية ومختلف أذرعها، التي عاثت فسادا بالمقدسات بلا مراعاة لحرمتها، حيث يتواصل معول الهدم الإسرائيلي للمقدسات.

ووثقت الحركة الإسلامية برئاسة الشيخ رائد صلاح، ضمن مشروع "موسوعة المقدسات في فلسطين- المسح الشامل والدليل الكامل" الذي أعدته مؤسسة الأقصى للوقف والتراث، ما يزيد عن 1009 مواقع مقدسة دمرت بغالبيتها في 243 مدينة وقرية مهجرة، وقدمت وصفا مفصلا وموثقا للمعالم العربية الإسلامية والمسيحية بالداخل الفلسطيني.

كنيسة الحجاج في مدخل خربة سيلون من العهد البيزنطي حولت لكنيس ولتعليم التوراة (الجزيرة)

مساجد وكنائس
فمن بين 161 مسجدا لا يزال 33 فقط قائما، لكن 11 فقط تستعمل للصلاة، وهي بمدينتي عكا وحيفا، أما الـ22 الأخرى فإما مغلقة وإما تستعمل في غير أهدافها كمخازن ومتاحف ومطاعم وقاعات أفراح أو حوّلت إلى كنس، وهناك 10 مساجد هدمت جزئيا ولا تصلح للاستعمال، و118 مسجدا هدمت كليا وطمست معالمها.

كما أحصيت 41 كنيسة، 35 منها ما زالت قائمة وكنيسة واحدة هدمت جزئيا ولا تصلح للاستعمال و5 كنائس هدمت كليا.

أما في ما يتعلق بالمقامات الإسلامية، فتم إحصاء 411 مقاما، 46 منها ما زال قائما، بعضها مغلقة أو حوّلت إلى مزارات يهودية أو مزارات للدروز، وبعضها يستعمل كمخازن والبعض الآخر تستخدم للسكن، و14 مقاما هدمت جزئيا، و351 مقاما هدمت كليا ولم يبق لها أثر.

وبخصوص المقابر الإسلامية والمسيحية، وثقت 383 مقبرة إسلامية 53 منها قائمة و109 منتهكة جزئيا و221 مقبرة طمست تماما ولم يبق لها أثر، وقد جرفت كليا أو أقيمت عليها المباني والمناطق التجارية والصناعية، أو شقت فيها الشوارع، كما أحصيت 13 مقبرة مسيحية، 9 منها قائمة و3 منتهكة جزئيا ومقبرة واحدة طمست تماما.

مسجد منذ العهد العمري تم غلقه بعد عام 1978 عقب طرد الفلسطينيين من خربة سيلون (الجزيرة)

محاكم وقضاء
يقول مدير مؤسسة ميزان لحقوق الإنسان المحامي عمر خمايسة إن المؤسسة الإسرائيلية حاربت كل جمعية أو مؤسسة عربية نشطت في الدفاع عن المقدسات وتوثيقها، إذ حظرت مؤسسة الأقصى ومنعت نشاطها الميداني المتصل بالمواقع المستهدفة التي امتد إليها التدنيس والهدم والطمس.

وأوضح خمايسة للجزيرة نت أن المؤسسة الإسرائيلية عمدت إلى توظيف المحاكم والقضاء لإتمام مخططات وضع اليد على المقدسات، ورد الدعاوى القضائية لفلسطينيي 48 المطالبة باستعادة المقدسات والمواقع وعدم هدمها وطمسها وتخصيصها للمشاريع التجارية والإسكانية والصناعية للمستثمرين ورجال الأعمال اليهود.

ولفت إلى أن المحاكم الإسرائيلية وضعت شروطا تعجيزية على كل من يحرك دعاوى لصيانة المقدسات وترميمها، وتطالب بالإثبات بالوثائق والمستندات بأن الحديث يدور عن أرض مقبرة أو ركام مسجد أو بقايا كنسية، ودائما ما كانت ترد الدعاوى حتى وإن زودت بالمستندات والوثائق من الأرشيف العثماني.

وأكد أن المحاكم الإسرائيلية عمدت إلى طمس الجانب القانوني، وساعدت المؤسسة الإسرائيلية التي عمدت إلى نقل المقدسات لشركات العقارات والاستثمارات.

وذكر خمايسة أن المؤسسة الإسرائيلية وضعت اليد على المقدسات والأوقاف التي كانت تحت سيطرة المجلس الإسلامي الأعلى بالعام 1950 بموجب ما يسمى قانون "أملاك الغائبين"، وحولت جميع الأراضي والعقارات الوقفية والمباني والمساجد والمقامات إلى ما يسمى "دائرة أراضي إسرائيل".

المسجد الصغير في حيفا مغلق رغم السماح للفلسطينيين بترميمه وصيانته (الجزيرة)


تدمير وتهويد
من جانبه، استعرض باحث الآثار والمقدسات العربية والإسلامية في فلسطين عبد الرازق متاني آليات وضع اليد على المقدسات والأراضي الوقفية، لافتا إلى أن إسرائيل قامت في العام 1961 بتعريف جميع الأراضي التي صادرتها عام النكبة وحوّلتها الوكالة اليهودية وصندوق الائتمان اليهودي، على أنها أراضي دولة.

ولفت إلى أن ما تسمى "دائرة أراضي إسرائيل" منحت حق إدارة هذه الأراضي والعقارات والمقدسات، إذ كان تطوير الأراضي تحت سيطرة واختصاص ما تسمى "سلطة التطوير" الحكومية التي فوضت جميع الهيئات للعمل من أحل مصلحة اليهود فقط.

وفي ما يتعلق بالعقارات المسيحية، فيعتقد متاني أن النفوذ الغربي والفاتيكان ساهما في حماية بعض الكنائس والأديرة، ورغم ذلك صادرت إسرائيل العديد من الأراضي المسيحية وأراضي الكنيسة، وتم تحويلها لأراضي دولة لينتفع منها اليهود دون المواطنين الفلسطينيين.

وقال متاني للجزيرة نت إن تدمير وطمس المقدسات الإسلامية والمسيحية بفلسطين التاريخية أتى ضمن مسلسل تدميري ممنهج، دمرت خلاله أكثر من 500 قرية فلسطينية ومعالمها ومقدساتها، وقامت إسرائيل بأكبر وأوسع عملية تدمير للمقدسات بين عامي 1948 و1966، وهي الفترة التي اتسمت بالحكم العسكري ومنع الفلسطينيين بالداخل من التنقل.

وأكد أن إسرائيل ومنذ النكبة سعت لإزالة كافة القرى المهجرة ومعالمها ومقدساتها، مستشهدا بعمليات النبش والاعتداءات والسرقة للمقامات والمواقع الأثرية العربية والإسلامية، التي ما زالت تتعرض لمخططات الطمس والتهويد من قبل البلدات الإسرائيلية.

المصدر : الجزيرة