الحبس المؤقت في الجزائر.. ضوابط القانون وخيارات السياسة

الحبس المؤقت في الجزائر.. ضوابط القانون وخيارات السياسة

قوات أمن أمام محكمة سيدي محمد بالجزائر العاصمة قبل جلسة استماع للوزير الأول السابق أحمد أويحيى (رويترز)
قوات أمن أمام محكمة سيدي محمد بالجزائر العاصمة قبل جلسة استماع للوزير الأول السابق أحمد أويحيى (رويترز)
قبل أيام صدرت أوامر بالحبس المؤقت من قبل قاضي التحقيق ضد رجال أعمال وسياسيين وجنرالات جزائريين، ممن تم استدعاؤهم للتحقيق في تهم تتعلق بـ"المساس بأمن الدولة"، وأخرى تتصل بملفات فساد.

وباشر القضاء المدني سلسلة تحقيقات قضائية مع رجال أعمال مثل يسعد ربراب وعلي حداد والإخوة كونيناف، تلتها ملاحقات أخرى في القضاء العسكري طالت سعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق ومستشاره، والقائدين السابقين للمخابرات الفريق محمد مدين (توفيق) واللواء بشير طرطاق، إضافة إلى الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون.

ويلاحق سعيد بوتفليقة ومدين وطرطاق بتهم "المساس بسلطة الجيش والمؤامرة ضد سلطة الدولة"، بحسب بيان النيابة العامة العسكرية.

في حين وجهت للمعارضة السياسية لويزة حنون تهمتا "التآمر بغاية المساس بسلطة قائد تشكيلة عسكرية"، و"التآمر لتغيير النظام"، بحسب ما صرح به المحامي مقران آيت العربي.

وكان رجل الأعمال يسعد ربراب أودع الحبس المؤقت بتهم "التصريح الكاذب بخصوص حركة رؤوس أموال من وإلى الخارج"، و"تضخيم فواتير استيراد عتاد مستعمل"، بحسب ما ذكره التلفزيون الرسمي.
 
أما الأخوة كونيناف المقربون من الرئيس السابق فوجهت لهم تهمة "استغلال النفوذ"، كما يتهم رئيس منتدى رجال الأعمال المستقيل علي حداد "بعدم التصريح بعملة أجنبية وحيازة جوازي سفر جزائريين"، بعد توقيفه على الحدود البرية بين الجزائر وتونس.

قوات أمن تنظم التحركات لحظة دخول أحد رجال الأعمال المتهمين بالفساد محكمة سيدي محمد (رويترز)

ويبدو أن إيداع رجال الأعمال والجنرالات وشقيق الرئيس بوتفليقة الحبس المؤقت، يراد منه كسب ثقة المحتجين في الجزائر، الذين رفعوا مطالب تنادي بمحاكمة من أسموهم "العصابة".

وفي منتصف أبريل/نيسان الماضي، دعا رئيس أركان الجيش القضاء إلى تسريع التحقيقات المتعلقة بقضايا فساد مرتبطة بفترة حكم بوتفليقة، مقدما ضمانات لمرافقة القضاء في استعادة استقلاليته والعمل "بكل حرية ودون قيود ولا ضغوط".

وفُسرت تحركات جهاز القضاء على أنها استجابة لدعوات الجيش، غير أن نقابة القضاة أصدرت مؤخرا بيانا أكدت خلاله أن القضاة "يرفضون التعامل معهم كجهاز يتحرك بالأوامر تارة وبالاستدعاء تارة أخرى"، وقالت إن القضاة "يقفون على مسافة واحدة من الجميع".

ووسعت أوامر قضاة التحقيق المتعلقة بالحبس المؤقت مساحة الجدل بين فقهاء القانون، على اعتبار أن إجراءات الحبس المؤقت تعد في نظر القانون إجراء استثنائيا يعمل به القضاة في حالات معينة قد لا تنسحب على المعتقلين مؤخرا.

إجراءات سليمة
ويؤكد المحامي ناصر بن دحو أن "الحبس المؤقت إجراء استثنائي من اختصاص قاضي التحقيق يأمر به متى كانت القضية تستحق الحبس كإجراء من شأنه حماية المجتمع والمتهم معا، غير أن الحرية هي الأصل، لهذا لا يمكن بأي حال من الأحوال المساس بها، إلا أن المشرع جعل استثناء عن القاعدة".

في حدود هذا الاستثناء، يحق لقاضي التحقيق متى رأى أن الأفعال خطيرة أن يخرج عن القاعدة بأن يأمر بوضع المتهم في الحبس المؤقت خلال التحقيق إلى غاية محاكمته من قبل قاضي الموضوع المختص، بحسب ما صرح به المحامي للجزيرة نت.

ويوضح بن دحو أنه من أجل خلق نوع من التوازن، أوجد المشرع غرفة للاتهام وظيفتها مراقبة أوامر قاضي التحقيق، فلها أن تؤيد الأمر بإيداع المتهم الحبس المؤقت كما لها أن تلغيه وتفرج عن المتهم، تماشيا مع القوانين المعمول بها.
 
وينظر المحامي إلى الأوامر الصادرة من قاضي التحقيق بإيداع المتهمين المذكورين سلفا بأنها سليمة من الناحية القانونية، ذلك أن التهم الموجهة إليهم خطيرة وأغلبها مدرجة في خانة الجنايات.
 
لتفادي الحبس التعسفي، حدد المشرع -حسب تصريح المحامي- مدة زمنية للحبس المؤقت نصت عليها المادة 125 من قانون الإجراءات الجزائية بأنها لا تتجاوز أربعة أشهر، كما تجيز له أيضا أن يمدد في فترة الحبس المؤقت بحسب المسببات القانونية.

السياسة والخصومة
هذا التصور لا يتبناه أغلب الحقوقيين، إذ ترى فئة أخرى أن طبيعة التهم الموجهة إلى هؤلاء المتهمين كانت ثقيلة جدا، معتبرين أن المسألة تجاوزها القانون وغلبت عليها السياسة والخصومة، وهذا الرأي يأخذ به المحامي عبد الغني بادي.
 
ويعلل المحامي كلامه بالقول إن الحبس المؤقت ينظر له من زوايا مختلفة من حيث طبيعة التهم وشخصية المتهم والضمانات التي يقدمها حتى يستفيد من إجراء غير الحبس، كما كان بإمكان المتهمين أن يوفروا ضمانات الامتثال.

ونظرا لأن الفترة التي تمر بها البلاد حساسة -رجح بادي في حديثه للجزيرة نت- أن ضغوطا كانت على القضاة لاتخاذ إجراء الإيداع، ذلك أن "القضاة في فترات الصراعات السياسية عادة تسيطر عليهم قوى تملك زمام السلطة الفعلية وتوظّفه للتخلص من خصومها السياسيين".

ويعتقد أنه من الإنصاف أن يقف القضاء على مسافة واحدة مع جميع المشتبه في ارتكابهم جرائم، سواء مالية أو أمنية أو غيرهما دون انتقائية، لأنه في المخاض السياسي العسير تلجأ غالبا الدول إلى البحث عن آليات عدالة انتقالية تضمن الإنصاف مع عدم الإفلات من العقاب.
 
وتضمن العدالة الانتقالية -وفق شرح المحامي- أن يكون للمواطن الحق في المشاركة في جلسات استماع للمتهم بضمانات أكبر قد تسهم في اعترافه واعتذاره.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: