سيل إعلانات رمضانية للتبرع بمصر.. من يدفع الثمن؟

تحرص الجمعيات الخبرية في مصر على نشر صور تبرز أنشطتها كنوع من الدعاية (مواقع التواصل)
تحرص الجمعيات الخبرية في مصر على نشر صور تبرز أنشطتها كنوع من الدعاية (مواقع التواصل)

محمود صديق-القاهرة

ما إن يبدأ شهر رمضان حتى تغرق إعلانات التبرع شاشات القنوات التلفزيونية المصرية، مستخدمة خليطا من الدعاة والرياضيين ونجوم السينما لتحفيز المشاهدين على التبرع لمؤسسات خيرية أو مستشفيات.

وتتعرض هذه الحملات الإعلانية لانتقادات وتساؤلات حول من يدفع تكلفتها، فحتى لو تبرع النجوم بأجورهم فمن غير المعقول أن تعطي الفضائيات تلك المساحات الإعلانية الهائلة لتلك المؤسسات دون مقابل، فضلا عن مئات الجمعيات والمستشفيات التي تعاني من عجز مالي ولا تملك القدرة على تكاليف الإعلانات، مما دفعها لطلب التبرع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

سيل من الأسئلة يطرحه المصريون خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي حول طبيعة تلك الجمعيات، وحجم ما تتلاقاه من تبرعات وأوجه إنفاقها، حيث عبر رجل الأعمال ورئيس لجنة الصناعات بمجلس النواب فرج عامر عن استيائه من كثرة الإعلانات، واصفا إياها بـ"إعلانات الشحاتة" أي التسول، ومطالبا بوقفها، في حين اقترحت النائبة إيناس عبد الحليم إنشاء هيئة للسيطرة على ما وصفته بالفوضى الكبيرة في مجال التبرعات.

وأشارت النائبة في تصريحات صحفية إلى تعدد الشكاوى من رفض مستشفيات -تعتمد كل ميزانياتها على التبرعات- تقديم العلاج لحالات في أشد الاحتياج بحجة عدم وجود أجهزة، متسائلة أين تذهب التبرعات إذن؟

تبرعات ضخمة
تساؤل النائبة المصرية حول حجم التبرعات وأوجه إنفاقها، تٌجيب عنه تصريحات ودراسات متفرقة، منها ما أعلنته وزيرة التضامن غادة والي من أن عدد الجمعيات الأهلية بمصر والتي يترأس كبرى مؤسساتها لواءات متقاعدون ومشايخ كبار، بلغ أكثر من 48 ألف جمعية، من بينها نحو 12 ألف جمعية تنفق ما يزيد على 10 مليارات جنيه (الدولار نحو 18 جنيها) على العمل المجتمعي داخل البلاد.

وطبقا لدراسة أجرتها شركة "تي إي تليكوم" لخدمات الهواتف النقالة المسؤولة عن إدارة التطبيق الإلكتروني للعمل الخيري "ميجا خير"، فإن 52 مؤسسة وجمعية خيرية تلقت 4.9 ملايين رسالة هاتفية مخصصة لأعمال الخير عام 2017 فقط، قدرت الشركة قيمتها بـ24.6 مليون جنيه، منها ما يزيد على 10 ملايين جنيه تلقتها تلك المؤسسات خلال شهر رمضان من العام نفسه.

ووفقا لآخر دراسة أجراها مركز دعم المعلومات واتخاذ القرار (حكومي تابع لمجلس الوزراء المصري) فإن 15.8 مليون أسرة مصرية تمثل 86% من إجمالي الأسر بمصر تنفق قرابة 4.5 مليارات جنيه في أعمال الخير خلال شهر رمضان فقط، 45% منها في صورة زكاة، والباقي يخرج كتبرعات وصدقات بما يزيد عن 2.5 مليار جنيه.

كما صرح رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي المصري بأن أكثر ثلاث جهات تلقت تبرعات من خلال البنك خلال الشهر المذكور والتي بلغت 417 مليون جنيه هي: بيت الزكاة والصدقات التابع للأزهر، ومؤسسة مجدي يعقوب لعلاج أمراض القلب بمدينة أسوان (جنوب مصر)، وجمعية مصر الخير التي يترأسها المفتي السابق علي جمعة.

رواتب وعمولات
حجم التبرعات الضخمة وسيل الإعلانات باهظة التكاليف، دفعت مؤسسة "شركاء من أجل الشفافية" إلى دعوة المؤسسات الخيرية للإفصاح عن مواردها المالية وبنود إنفاقها بشكل شفاف، مشيرة إلى أن زيادة الإنفاق على بند الدعاية والإعلان خاصة في شهر رمضان يفرض عليها إطلاع المتبرعين على ما تم تخصيصه لهذه الإعلانات والعائد من ورائها.

ولاحظت المؤسسة أن معظم مؤسسات العمل الخيري لا تنشر ميزانيتها المالية المفصلة على مواقعها الإلكترونية، وهو ما تعتبره إخلالا بحق المتبرعين في تتبع تبرعاتهم وبنود إنفاقها.

من جانبه، فسر رئيس مجلس إدارة مؤسسة "معانا لإنقاذ إنسان" الخيرية محمود وحيد سر امتناع المؤسسات والجمعيات الخيرية عن تقديم كشف حساباتها بسبب خوفها من اكتشاف المتبرع لحجم ما تصرفه تلك المؤسسات على رواتب المديرين والعاملين التي قدرها بـ50% من إجمالي التبرعات، وهو ما سيصدم المتبرعين ويجعلهم يمتنعون تماما عن أي مساعدة، على حد قوله.

وعبّر وحيد عن صدمته حين أعلن عن حاجته لشغل وظيفة مدير لدار الأيتام الخاصة به، ففوجئ بمن تقدمن يطلبن رواتب كبيرة كان أقلها سيدة طلبت 16 ألف جنيه، وأن إحداهن أكدت له أن مديري الجمعيات الكبرى تصل رواتبهم إلى 70 ألف جنيه.

ونظرا لتعدد وكثرة الجمعيات الخيرية والمستشفيات التي تعلن عن حاجتها للتبرع، اعتمدت جمعيات عدة مبدأ التسويق مقابل عمولة لتشجيع المدراء ومسؤولي التسويق، وهناك أيضا فتيات "التلي سيلز" اللاتي يتصلن بأرقام هواتف عشوائية لطلب تبرعات مقابل عمولة على كل تبرع، بحسب محمود وحيد.

وحيد أشار كذلك إلى أن إحصائيات السوق تؤكد أن كل مليون جنيه ينفق على الإعلانات يجلب تبرعات قيمتها من 3 إلى 5 ملايين جنيه، وهو ما يمكن أن يفسر حجم الإعلانات الضخم خاصة في شهر رمضان.

أين الدولة؟
بدوره أكد أيمن عبد الموجود رئيس إدارة المؤسسات الأهلية بوزارة التضامن الاجتماعي المسؤولة عن الجمعيات الخيرية والأهلية، أن القانون يمنح المؤسسات الخيرية حق صرف ما لا يزيد عن 20% من إجمالي قيمة التبرعات كمصروفات إدارية ورواتب ومن ضمنها الإعلانات، مشددا على أن الوزارة لا تتدخل في تحديد هذه النسبة، ولا في تحديد رواتب العاملين التي يملك مجلس إدارة الجمعية الحق في تحديدها.

وحدد عبد الموجود دور الوزارة في الرقابة على هذه المؤسسات في مراجعة وتصفية التراخيص الممنوحة لها بشكل سنوي على أقصى تقدير، للوقوف على حجم التبرعات التي تلتزم الجمعيات بتقديم كشف بها للوزارة، ومدى مطابقتها للشروط القانونية، مضيفا "فإذا وجدت مخالفات يسحب منها الترخيص فورا دون تجديد وتتخذ ضدها الإجراءات القانونية".

اتهامات
رغم استمرار إعلانات التبرعات منذ سنوات عدة، فإن الحديث عنها تصاعد مؤخرا عقب ضجة كبرى أثيرت في كل وسائل الإعلام المصرية حول اتهامات بالفساد طالت القائمين على إدارة مستشفى لعلاج سرطان الأطفال قام منذ بداياته على التبرعات، وتزيد ميزانيته على مليار جنيه (نحو 60 مليون دولار).

وأصبح المستشفى الرمز الرئيسي في إعلانات وحملات التبرع بمصر، لكن من اللافت أن إعلاناته اختفت هذا العام.

تزعم الحملة ضد المستشفى الكاتب والسيناريست وحيد حامد وعضو مجلس نقابة الصحفيين السابق أسامة داود، ونشرت بعض وسائل الإعلام تقارير عما أسمته "بزنس التبرعات"، إلى أن أصدر المجلس الأعلى للإعلام قرارا بوقف النشر في تلك القضية، مما دفع النائب العام المصري إلى إحالة رئيس المجلس إلى نيابة أمن الدولة بتهمة التعدي على اختصاصات النيابة في وقف النشر حول القضايا التي تنظرها النيابة.

وأصدرت وزارة التضامن بيانا برأت فيه المسؤولين عن المستشفى من ارتكاب أي مخالفات كبرى تم تداولها في الإعلام كالمضاربة بأموال التبرعات في البورصة، وإجراء تجارب سريرية على المرضى لصالح شركة أدوية أميركية، أو تجاوز مصروفاتها النسبة المقررة قانونا، وهو ما وصفه وحيد حامد بـ"تقرير يحمي الفساد". 

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي,الجزيرة,الإعلام المصري