هجوم الفجيرة.. الأغراض السياسية وراء الحادث الغامض

الناقلة السعودية "المرزوقة" إحدى السفن الأربع المتضررة (رويترز)
الناقلة السعودية "المرزوقة" إحدى السفن الأربع المتضررة (رويترز)
رافقت هالة من الغموض خبر الحادث الذي وقع قرابة سواحل ميناء الفجيرة الإماراتي الأحد الماضي، وما زالت متواصلة خاصة في ظل عدم معرفة من الذي يقف وراءه حتى الآن.

وعلى الرغم من أن الحادث لم يكن عابرا يمكن التكتم عليه، فإن الإمارات العربية المتحدة تكتمت عليه عدة ساعات، مما يؤكد أنها كانت تدرس كيفية إعلانه واستغلاله لأغراض سياسية.

وكما أشار المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي الإيراني الدكتور حسين نقوي حسيني، فإن العالم الحديث لا يمكن فيه إخفاء حادث كهذا، فالخبراء الذين بات بإمكانهم أن يؤكدوا نوع أي رصاصة والسلاح الذي خرجت منه والمكان الذي أطلقت فيه، لن يكون صعبا عليهم أن يكشفوا سبب هذه الحوادث وكيف حصلت.

ويبدو أن التباطؤ في الإعلان عن أسباب الحادث وكيفية حصوله أو حتى نشر أخباره، أثار تساؤلات عديدة عنه، وكان السؤال الأكثر إثارة هو: كيف يمكن لمثل هذا الحادث أن يحصل دون وقوع أي إصابة؟

السفينة النرويجية "أندريه فيكتوريا" تعرضت لضربة في أسفل هيكلها المعدني (رويترز)

أعداء ومتهمون
وللأسف، خلال السنوات الأخيرة، دخلت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في صراعات متعددة، وكسبتا أعداء كثرا في المنطقة والعالم وعليه، ولذلك فإن أصابع الاتهام يمكن أن تشير إلى عدد كبير من "الأعداء"، إذا ما اعتبرنا أن الحادث يقف وراءه أعداء الإمارات.

في البداية، كان البعض يتصورون أن الحوثيين يمكن أن يكونوا هم من يقفون وراء الهجوم على ميناء الفجيرة، لكن الحوثيين اعتادوا على الإعلان عن أي هجوم لهم على أهداف إماراتية أو سعودية، بل حتى الافتخار به؛ غير أنهم لم ينشروا أي بيان في هذا الصدد.

وفي الواقع، يبدو من غير المنطقي أن يقوم الحوثيون بهذا الهجوم في وقت ينسحبون فيه من ميناء الحديدة ويسلمونه إلى الأمم المتحدة، أملا منهم في إيجاد سبيل لحل الحرب اليمنية بشكل سلمي.

وقد ذهب بعض المحللين بعيدا باتهام مجموعات موالية لليبيا بافتعال الحادث ردا على التدخل الإماراتي في بلادها، وهو ما يبدو غريبا بعض الشيء أيضا، فحكومة الوفاق في ليبيا وحتى حلفاؤها لا يملكون الوسائل الأمنية اللازمة، مقارنة بالأجهزة الأمنية الإماراتية والمنتشرة في المنطقة.

كما لا يمكن أن تسلَم إيران من الاتهامات في هذا الشأن، وخاصة أن الخلافات بينها وبين السعودية والإمارات وصلت إلى أوجها في الفترة الأخيرة، وكانت طهران تهدد دوما بأنها لن تسمح بتصدير النفط من المنطقة إذا مُنعت هي من تصدير نفطها.

ولا يمكن أن ننكر أن العديد من الإيرانيين -سواء كانوا أصوليين أم إصلاحيين- أبدوا سعادتهم لهذا الحادث بتغريداتهم أو بأخبار نشروها على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى أن بعضهم اعتبر الموضوع نوعا من عرض إيران لعضلاتها أمام التهديدات الأميركية بإيقاف صادراتها النفطية، وردا على إعلان السعودية والإمارات أنهما ستعوضان ما يسببه نقص الإنتاج الإيراني في الأسواق.
 

موقف طهران
ولكن الموقف الرسمي الإيراني كان إدانة هذا الحادث وتوجيه انتقادات شديدة اللهجة للأشخاص وحتى المؤسسات الإعلامية التي غردت خارج السرب، حتى أن بعض هؤلاء اضطروا لحذف أخبارهم وتغريداتهم على مواقع التواصل.

فعلى الرغم من الخلافات الموجودة بين طهران وبين الرياض وأبو ظبي، فإن الإيرانيين يدركون جيدا أن المنطقة على صفيح ساخن، وأن الوضع قابل للانفجار في أية لحظة بسبب تدخلات واشنطن، ولذلك اتخذوا قرارا بعدم مسايرة الأميركيين أو حلفائهم في رفع مستوى التوتر في المنطقة.

وعلى الرغم من التصعيد السياسي والتهديدات بين إيران والولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة، ووضع الحرس الثوري على لائحة الإرهاب الأميركية ووضع الجيش الأميركي على لائحة الإرهاب الإيرانية؛ فإن الملاحظ في الأسابيع الماضية أن القوات الأميركية التي تعبر مضيق هرمز كانت تتصل بالحرس الثوري للتنسيق معه، كما أن الحرس الثوري -في المقابل- كان يرد عليهم وينسق معهم دون أي حساسية تذكر، وهو ما يؤكد أن العسكر لا يفكرون كما يفكر السياسيون، فهم يعلمون جيدا أن أي حادث -حتى لو كان عابرا- يمكن أن يؤدي إلى إراقة دماء الجنود أولا.

وربما يمكن القول إنه ولهذا السبب، أشار وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف خلال زيارته إلى واشنطن عن وجود تناقض سياسي في واشنطن تجاه إيران، معتبرا أن مصلحة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا تقتضي إشعال فتيل الحرب في المنطقة، بينما هناك مجموعة سماهم ظريف "الباءات الأربعة" (بنيامين نتنياهو وجون بولتون ومحمد بن سلمان ومحمد بن زايد) يسعون إلى إشعال فتيل الحرب.

استفادة إسرائيل
وما كان لافتا في الاتجاه الأكبر لتصريحات الشخصيات الإيرانية، هو توجيه أصابع الاتهام "للباءات الأربعة"، نظرا لأن المستفيد الأكبر من أي حرب قد تحصل بين إيران والولايات المتحدة هي إسرائيل.

وفيما يشكك البعض في أن الإماراتيين والسعوديين لا يعون أن أي حرب في المنطقة ستحرق الأخضر واليابس وستعود بالضرر على الجميع، يعتبر البعض الآخر أن اغتيال الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول يؤكد أن بعض الساسة في السعودية والإمارات يتخذون خطوات غير مدروسة دون التفكير في نتائجها.

ومن جهة أخرى، فإن بعض الساسة والشركات في الولايات المتحدة الأميركية يسعون إلى إشعال فتيل الحرب وتدمير البنى التحتية في المنطقة كلها، لأن شركاتهم عندئذ ستستطيع الحصول على عقود إعادة الإعمار مستقبلا مما يعود عليه بأموال طائلة.

ويعتبر البعض الآخر أن الأميركيين والإسرائيليين يريدون زيادة الضغوط والتهديدات على إيران، لثنيها عن وضع عقبات أمام صفقة القرن التي من المقرر الإعلان عنها بعد انتهاء شهر رمضان المبارك.

وفي النهاية، يمكن القول إن الاتجاه العام بين الساسة الإيرانيين على المستوى الرسمي هو أن هناك أياد خفية تريد افتعال حادث مشابه لحادث 11 سبتمبر/أيلول 2011، يدفع الرئيس الأميركي لاتخاذ قرار الحرب ضد إيران ويعطي ذريعة لإقناع الكونغرس والشعب الأميركي بضرورة التخلص من التهديد الإيراني.

وفي هذه الحالة، يجب على إيران أن تفعل كل ما في وسعها لسحب هذه الورقة من أيديهم، وتذكيرهم بكلفة أي هجوم عسكري عليها.

ويعتبر هؤلاء أن حادث السفن قد لا يكون أول المؤامرات التي تحاك على إيران ولا آخرها، وسيتم استغلال هذه الحوادث حاليا لأغراض سياسية أكثر منها عسكرية.

------------------------

عماد آبشناس * أستاذ الإعلام في جامعة طهران ورئيس التحرير السابق لموقع طهران تايمز

المصدر : الجزيرة