من معارك النكبة.. معركة بيت سوريك

معركة بيت سوريك كانت واحدة من أهم معارك القدس المحتلة قبيل النكبة عام 1948
معركة بيت سوريك كانت واحدة من أهم معارك القدس المحتلة قبيل النكبة عام 1948

محمد شعبان أيوب

حين قامت الثورة الفلسطينية الكبرى بعد استشهاد الشيخ عز الدين القسام عام 1936، أثبت الفلسطينيون قدرتهم على حماية أنفسهم وميراثهم وأرضهم، لكن تدخل الإنجليز بأقوى الأسلحة وبسلاح الطيران أجهض هذه الثورة التي قامت لمواجهة الاحتلال والطغيان.

أشعل قرار التقسيم الذي صاحب الأشهر الأخيرة لنهاية الوجود البريطاني، الصراع بين الفريقين الفلسطيني والصهيوني في أزقة القدس وحواريها وقراها وأحراشها، وكان من جملة هذه المعارك التي أبلى فيها الفلسطينيون بلاء عظيما أيام النكبة الكبرى معركة بيت سوريك.

ففي 25 ديسمبر/كانون الأول 1947 وبعد شهر واحد من صدور قرار التقسيم، تألفت في منطقة صوريف التابعة للخليل قوة من الشباب المتحمسين للقتال والنضال ضد الاحتلالين الصهيوني والبريطاني سميت "قوة الجهاد المقدس"، كان على رأسها الشهيد عبد القادر الحسيني بمعاونة 25 شابا آخر من مناطق القدس والخليل وغيرها، كانت لهم إسهامات مهمة في حركة النضال يومذاك.

من معارك الدفاع عن القدس قبيل النكبة عام 1948 (مواقع التواصل الاجتماعي)

التربص بالعدو
تقع قرية بيت سوريك العربية إلى الشمال الغربي من مدينة القدس، وتشرف على طريق المواصلات الرئيسي بين السهل الساحلي الواصل بين مدينتي يافا والقدس، وتبعد عن هذا الطريق نحو 2.5 كيلومتر.

خطط مجاهدو منطقة القدس لقطع طريق المواصلات بين الساحل والقدس، خاصة وأن عدد السكان اليهود الذين كانوا يقطنون في المدينة كان يُقدّر بحوالي مئة ألف.

بث قائد قوات جيش الجهاد المقدس عبد القادر الحسيني العيون لجمع المعلومات عن أنشطة الصهاينة العسكرية وحركة قوافلهم، فتلقى أخبارا تفيد بأن الصهاينة سيرسلون إلى مدينة القدس يوم 19 يناير/كانون الثاني 1948 قافلة كبيرة من السيارات بينها عدد كبير من حاملات المواد التموينية، برفقة قوات صهيونية بريطانية مشتركة لحمايتها، على رأسها زعيم الصهاينة الأشهر حينها حاييم وايزمان.

فور ورود هذه المعلومات إلى المجاهدين، عقد الحسيني اجتماعًا عاجلا حضره نائبه كامل عريقات وإبراهيم أبو ديه وقادة قطاعات قرى ساريس والقسطل وقالونيا وصوبا، وتم وضع خطة لتدمير القافلة والقوات التي تتولى حراستها.

الحسيني يقود المعركة بنفسه

جرى توزيع المهام العسكرية على المجتمعين، حيث قرر الحسيني أن يتولى بنفسه قيادة الهجوم، ثم كلف نائبه كامل عريقات بحشد القوات والإجراءات اللازمة ليساعده في ذلك إبراهيم أبو ديّه، واجتمع إلى جانب قوات جيش الجهاد المقدس عدد من أهالي بيت سوريك والقرى المجاورة، ونجدة قدمت من مدينة جنين بقيادة المجاهد فوزي جرار.
 
كانت الخطة تقضي بتوزيع القوات على جانبي الطريق، وأن تقوم مجموعة التدمير بقيادة فوزي القطب بزرع الألغام ليلا في أماكن معينة من الطريق، ومع فجر يوم 19 يناير/كانون الثاني 1948 أقام الحسيني ونائبه مقر القيادة في قرية بيت عنان القريبة من بيت سوريك.

وبعد أن تم نصب الكمين حسب الخطة المرسومة، علم الحسيني وصحبه أن القافلة الصهيونية تجتاز ممر باب الواد باتجاه القدس، فانتقل الجميع إلى قرية بيت سوريك، وطلب القائد من نائبه كامل عريقات أن يتوجه إلى مركز الكمين المنصوب للقافلة، وكان فيه إبراهيم أبو ديه وعدد من المسلحين وفوزي القطب وأفراد مجموعة التدمير.

كان الزعيم اليهودي حاييم وايزمان -الذي وصل إلى فلسطين يومئذ- مع القافلة، وحين اقتربت القافلة من الكمين المعد لها، عرف الصهاينة ما أُعد لهم فتركوا سياراتهم، وهربوا صوب الجبال متجهين ناحية مستوطنة الخمس الصهيونية أو "معاليه حاشماه" القريبة للاحتماء بها، لكن المناضلين الفلسطينيين تعقبوهم، واشتبك الفريقان، وكان تسليح اليهود متقدما للغاية من حيث القنابل اليدوية والرشاشات مقارنة ببنادق العرب العادية.

المجاهدون خاضوا معركة غير متكافئة لكنها انتهت بانتصارهم على قوات البالماخ المدعومة من القوات البريطانية (مواقع التواصل الاجتماعي)

معركة مع "البالماخ"
استغلت عصابات الصاعقة اليهودية المعروفة بـ"البالماخ" ما يجري من رحى معركة حامية بين الجانبين، ونزلت بقواتها وعتادها إلى قرية بيت سوريك، فحاصرت القرية والمناضلين الفلسطينيين بزعامة الحسيني وصحبه، مدججين بمدافع رشاشة.

بل إن بعض شهود العيان الذين رووا أحداث هذه المعركة الطاحنة، أكدوا اشتراك مصفحتين بريطانيتين مدججتين بأحدث الرشاشات دعما للهجوم الصهيوني، وكانتا سببًا رئيسًا في إصابة عدد كبير من المناضلين الفلسطينيين في هذه المعركة الشرسة.
 
وانتشرت أنباء هذه المعركة وحصار المناضلين المقدسيين بزعامة الحسيني في القرى المقدسية القريبة مثل بيت دقُّو والقبيبة وبيت عنان وقطنة، ويروي المؤرخ الفلسطيني عارف العارف أن الناس في تلك القرى المقدسية، فضلا عن سكان رام الله وقراها، قد هبّوا لنجدة إخوانهم المحاصرين في بيت سوريك.

مشاهد لا تنسى
ومن المشاهد التي استوقفته مشهد فتى صغير يتوسل إلى أبيه الشيخ كي يسمح له بالذهاب إلى الميدان بدلا منه نظرا لكبر سنه، لكن الوالد رفض طلب ولده مرارا، إلى أن عاد واستجاب لرجاء ولده وأعطاه بندقيته قائلا له "اذهب يا بني.. وعين الله ترعاك"، ويتحدث عارف أيضا عن أخوين كادا يتعاركان، إذ ودّ كل منهما أن يكون هو مع الذاهبين، وما كانا ليختلفا لو كانت معهما بندقيتان. 

انطلق رجال قرى القدس لنجدة إخوانهم المحاصرين، وما كادت شمس تغرب حتى انتصر المجاهدون ورفع الحصار، وارتد اليهود منسحبين إلى الخلف تاركين وراءهم 34 قتيلا و29 جريحا، بينما استشهد فلسطيني واحد وجرح خمسة آخرون على رأسهم القائد الميداني أبو دية، وغنم المجاهدون ثماني بنادق وأربعة رشاشات.

أراد المقدسيون مهاجمة مستوطنة الخمس الصهيونية، لكن تعرض لهم مجموعة من عناصر الشرطة البريطانية، ودخل الفلسطينيون معركة ثانية بدعم من الأمن البريطاني للصهاينة.

ونظرا لقوة التسليح والتدريب البريطاني على الأرض، ارتد المهاجمون الفلسطينيون صوب قرية بيت سوريك بعد نصر كبير أحرزوه على الصهاينة بعتاد متواضع، ودون أي دعم من الجو كما فعل البريطانيون مع الصهاينة، وفي نهاية المعركة أخذ المناضلون الفلسطينيون جثث الصهاينة صوب مدينة رام الله لعرضها وسط المدينة أمام الفلسطينيين دليلا على الانتصار.

المصدر : الجزيرة