حصار الفالوجة.. عندما التحم الجيش المصري والشعب الفلسطيني

عوض الرجوب-الخليل


نحو ستة آلاف فلسطيني وأربعة آلاف جندي مصري حوصروا حصارا شديدا في بلدة الفالوجة، آخر معقل تحت السيادة العربية في الجزء المحتل من فلسطين عام 1948.

في حينه عاش السكان الفلسطينيون والجيش المصري أكثر من ستة أشهر حياة تكاتف وتحد وإصرار على المواجهة لسببين، الأول انقطاع خطوط إمداد الجيش المصري وسيطرة اليهود عليها، والثاني شعور قائد القوات المصرية في حينه سيد محمد طه والملقب بالضبع الأسود بخيوط مؤامرة، وفق ما يروي الحاج محمد مصطفى النجار الشاهد على تلك المرحلة للجزيرة نت.

ووصل الجيش المصري الفالوجة بُعيد إعلان بريطانيا يوم 15 مايو/أيار 1948 إنهاء احتلال فلسطين، وهو يوم النكبة بالنسبة للفلسطينيين الذين طردتهم العصابات اليهودية وأعلنت إسرائيل دولة على أراضيهم.

نفاد الطعام

يقول النجار "على مدى شهور اعتمد الجنود المصريون على ما يتوفر في الفالوجة من حبوب وأغنام وأبقار، فكانوا يشترون ويعطون السكان أوراقا تثبت لهم الثمن لاسترداد القيمة من مقر القيادة المصرية في مدينة بيت لحم في الضفة الغربية".

واشترى الجيش المصري كل الحبوب والأغنام ثم الأبقار حتى نفدت جميعا، كما يقول النجار الملقب بـ (أبي بسام) ويسكن حاليا مخيم الفوار للاجئين الفلسطينيين جنوب مدينة الخليل بالضفة الغربية.

خلال الحصار لم يتوقف القصف الإسرائيلي على سكان البلدة بهدف دفعهم للرحيل، يعود أبو بسام بذاكرته إلى تلك الأيام ويروي أحد فصول تلك المأساة "القوات المصرية اختارت منزلنا نقطة مراقبة نظرا لموقعه المرتفع، فلجأنا لغرفة بمنزل أخوالنا".

ويستطرد "ذات يوم خرجت أنا وأخي أحمد نتجول في البلدة فإذا بثلاث طائرات تحلق في الأعلى، قال الجنود المصريون إنها من قواتهم، لكن سرعان ما تفرقت في ثلاثة اتجاهات وبدأت تقصف البلدة".

محمد النجار يروي للجزيرة نت قصة حصار الفالوجة ورفض جيش مصر الاستسلام (الجزيرة)

الصدمة الكبرى
ويحكي ابن بلدة الفالوجة -وكان في السابعة من عمره- عن قساوة المشهد "مع بدء القصف خرج أبي من بيت أخوالي ليبحث عنا، وفي طريق العودة للمنزل شاهدت فتاة بدت عروسا وقد سال الدم من رقبتها وكأنها ذبحت بسكين.. وما إن وصلنا البيت الذي نسكنه فإذا به قد دمر ولم يبق إلا آثاره فقط، وكانت الصدمة أننا لم نجد شقيقتيَّ اللتين تناثرت أشلاؤهما بسبب القصف".

هذا المشهد كان كفيلا بدفع كثيرين لمغادرة البلدة، لكن الجيش المصري و "البيه طه" -كما هو معروف في أوساط اللاجئين- أصر على القتال حتى آخر لحظة، فرفض عروضا بالاستسلام، وكان في البداية رفض أوامر قيادته في القاهرة بالانسحاب إلى غزة ثم مصر.

في إحدى المرات عاد "البيه طه" إلى البلدة بعد اجتماع مع قيادة قوات الاحتلال بمستوطنة غريات غاد، وأبلغ الجيش والسكان بمهلة للانسحاب لكنه أمر جيشه بالاستعداد للمواجهة، وفي ساعة تجمع اليهود القادمين من تلك المستوطنة القريبة للانقضاض على القرية، أعطى أوامره بإطلاق النار على الغزاة وأوقع المئات منهم بين قتلى وجرحى، ومضى أسبوع كامل حتى سمح لليهود بأخذ الجثث، كما يروي النجار.

أحمد النجار فلسطيني عاش حصار الفالوجة ويروي اليوم قصتها (الجزيرة)

إعدام الجاسوس

وضمن محاولات كسر الحصار، كانت قوافل من الضفة الغربية وغزة تسير إلى الفالوجة، وكل مرة تكشف فيها طرق القوافل كان اليهود يغلقونها، ويقول النجار إن جاسوسا فلسطينيا كان يخبر اليهود بتلك المنافذ وتم اعتقاله وإعدامه من قبل القوات المصرية.

وقطع المعلم المتقاعد أحمد النجار (شقيق أبو بسام) شوطا في كتاب يعتزم إصداره عن قرية الفالوجة يتضمن شهادات لاجئين عاشوا ذلك الحصار ومعلومات عن الجيش المصري في حينه.

ويقول للجزيرة نت إن قصيدة علي محمود طه -والتي مطلعها "أخي جاوز الظالمون المدى.. فحق الجهاد وحق الفدا"- لم تكن سوى انعكاس لما وقع للعرب في النكبة وما حصل لأخيه سيد طه.

تسمية الفالوجة
يشار إلى أن الموسوعة الفلسطينية ذكرت أن أصل تسمية الفالوجة يعود إلى رجل صالح يدعى "شهاب الدين أحمد الفلوجي" وصل قديما البلدة بعد أدائه فريضة الحج قاصدا القدس والمسجد الأقصى، لكنه توفي ودفن فيها، وحول ضريحه تكونت نواة القرية التي ترتفع عن سطح البحر مئة متر.

وتقع البلدة شرق غزة وغرب مدينة الخليل، وتشكل نقطة اتصال بين جنوب فلسطين وشمالها.
ويذكر النجار أن القرية كانت تستقطب التجار من أنحاء فلسطين في سوق كبير يتم تقسيمه حسب نوعية البضائع، وتنظيم وقته حسب المناطق.

واليوم تحولت أراضي القرية إلى غابة ودمرت جميع الملامح العربية فيها، وتحولت مستوطنة كريات غاد إلى مدينة زحفت على جزء كبير من أراضي الفالوجة الزراعية.
المصدر : الجزيرة