رحيل بطريرك السياسة اللبنانية

صفير رحل بعد حياة حافلة بالسياسة وسط التقلبات في لبنان (غيتي-أرشيف)
صفير رحل بعد حياة حافلة بالسياسة وسط التقلبات في لبنان (غيتي-أرشيف)


مجدي مصطفى

طغى دوره السياسي على مهامه الدينية فبدت السياسة دينا والدين سياسة، في وقت أضحت الغبطة حائرة ومعها القداسة باهتمامات البطريرك الماروني نصر الله صفير الذي توفي اليوم الأحد في أحد مستشفيات العاصمة اللبنانية بيروت.

في بلد يضم فسيفساء من الأديان والمذاهب والطوائف والتيارات، سويسرا العرب قديما ومخزن الاحتقانات والأزمات حديثا، ساقت الأقدار صفير لاعبا رئيسيا في معاركه السياسية التي لا تنتهي.

يجهد البطريرك الراحل الباحث في سيرته والمقلب في صفحاتها الممتدة على سني عمره الذي ناهز مئة عام، فيجده فريدا في سيرته عمن سبقه في منصبه الديني الذي ظل يشغله ربع قرن من الزمان.

صفير طلب الإعفاء من مهامه عام 2011 مبررا ذلك بتقدم السن (رويترز)

الإعفاء من المهام
ولدى بلوغه 91 عاما سجل سبقا في تاريخ البطريركية المارونية باستقالته من منصبه الديني مطلع 2011 حين طلب "الإعفاء من المهام البطريركية والانصراف إلى التأمل والصلاة والعبادة" مبررا تلك الرغبة بتقدمه في السن.

قدم استقالته إلى بنديكت 16 بابا الفاتيكان الذي قبلها رسميا في 27 فبراير/شباط 2011، وخلفه على رأس الكنيسة المارونية البطريرك بشارة الراعي.

كان صفير زعيما دينيا استثنائيا في مرحلة استثنائية في بلد عربي استثنائي، وكان لاعبا رئيسيا في معارك تلك المواقف السياسية.

مع رئيس الوزراء سعد الحريري (رويترز)

اتفاق الطائف
شاءت الأقدار أن يجد ذلك الزعيم الديني نفسه مطالبا أن يسد الفراغ السياسي على مستوى القيادة السياسية المسيحية حيث كان القادة التقليديون ما بين السجن والنفي.

في أوج الحرب الأهلية جاء اختياره بطريركا للموارنة في 19 مايو/أيار 1986، وبعد مرور ثلاث سنوات استطاع صفير أن يوفر الغطاء لتأمين الموافقة المسيحية اللازمة لإقرار اتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية، أي اتفاق الطائف عام 1989.

وقام بتلك الخطوة بالرغم من معارضة الجنرال الماروني ميشال عون الذي كان يترأس آنذاك حكومة عسكرية في المنطقة الشرقية من بيروت ذات الغالبية المسيحية، ومقابله كانت حكومة الرئيس سليم الحص في بيروت الغربية.

البطريركية قامت بدور الراعي السياسي للمسيحيين بعد سقوط حكومة الجنرال عون نهاية سنوات الحرب الأهلية (رويترز)

تشتت المسيحيين
وقامت البطريركية بدور الراعي السياسي بعد سقوط حكومة الجنرال عون، وما أعقبها من تشتت للقادة المسيحيين في الفترة التي يطلق عليها البعض "فترة الوصاية السورية".

سرعان ما استخلص صفير أن ما نص عليه الاتفاق من مؤازرة سورية في إنهاء الحرب سيتحول الى وجود عسكري طويل الأمد ونفوذ سياسي سيحكم قبضته على معظم مفاصل الدولة.

عام 2000 رأى صفير أنه بالانسحاب الإسرائيلي من لبنان انتفت آخر الذرائع للوجود السوري، فخرج مجلس المطارنة الموارنة الذي يرأسه في سبتمبر/أيلول من العام نفسه بما عرف بـ "النداء" الذي دعا لخروج القوات السورية.

مع الرئيس الأميركي الأسبق جورد دبليو بوش عام 2008 (رويترز)

الوجود السوري
دعا صفير لإنهاء الوجود السوري في لبنان، وكلّف أحد المطارنة بترؤس تجمع لبعض الشخصيات المسيحية التي تستهدي ببيانات الكنيسة عرف باسم "قرنة شهوان".

شكل الإعلان مفاجأة في وقت كان النفوذ السوري في ذروته، وكان أي انتقاد له يقابل بالقمع والاعتقال وحتى الاغتيال.

لكن الإعلان تحول لقوة دفع لكل القوى الرافضة لما كانت تعتبره احتلالا، وأطلق شرارة مواجهة النفوذ السوري وصولا الى يوم 14 من آذار 2005 عندما أجبر الخروج الشعبي الكبير إضافة والضغط الدولي الجيشَ السوري على المغادرة.

لامه مناوئوه على انحيازه سياسيا لقوى 14 من آذار بشكل علني أحيانا، وعلى تكثيف عمله في السياسة مما قد ينعكس على المكانة الدينية للكنيسة، وعام 2010 قدم صفير استقالته من موقعه وانكفأ عن الأضواء.

ترك مسافة بين مسيحيي 14 آذار و8 آذار بالرغم من اتهامات بعضهم له بالانحياز للأولى (غيتي)

بين 14 و8 آذار
وبعد الخروج السوري وعودة القيادات المسيحية التي انقسمت تبعا لانقسام بقية اللبنانيين ما بين قوى "8 آذار" وقوى "14 آذار" بدا من تصريحات البطريرك أنه يريد أن يترك مسافة واحدة بينه وبين الفرقاء المسيحيين المتخاصمين، ولكن أحد قادة مسيحيي 8 آذار (سليمان فرنجية) اتهم صفير بأنه "أقرب إلى الفريق الآخر".

ومن الواضح من نداءات صفير وعظاته أنه لم يكن يؤيد بقاء سلاح المقاومة بيد حزب الله، واعتبر أن إيجاد حل لهذا السلاح هو أحد الشروط لقيام الدولة اللبنانية، وهو يتعارض مع التحالف الذي أبرمه مسيحيو 8 آذار (مثل فرنجية وعون) مع حزب الله.

وبالنظر إلى طبيعة لبنان الطائفية فإن للبطريرك الماروني أن يزاول السياسة ولو على طريق العظات والنداءات، خاصة أن الكنيسة تعتبر نفسها الراعي الأول لوجود لبنان منذ أن توجه البطريرك إلياس الحويك عام 1919 "بتفويض من اللبنانيين" إلى مؤتمر السلام الذي عُقد في فرساي، وطلب الاستقلال عن سوريا، حيث كان الانضمام إليها هو أحد الخيارات المتاحة.

مراسم تسليم مهام البطريركية المارونية للراعي عام 2011 (رويترز)

زيارة إسرائيل
يقول أنطوان سعد كاتب سيرة البطريرك إن الأخير لم يقبل أن يرافق البابا يوحنا بولس الثاني في رحلته إلى الأراضي المقدسة بسبب "وجود وضع داخلي نراعيه من الناحية الدينية، لدينا مطارنة يتنقلون بين لبنان وفلسطين، ولكن مراعاة للوضع الداخلي فضلنا عدم القيام بها". 

 ويضيف "لا توجد عداوة بالمعنى العقائدي، ولكن صفير كان دائما ضد السياسة الإسرائيلية إن كان فيما خص القضية الفلسطينية أو ممارساتها في لبنان، موقف البطريركية المارونية كان دائما واضحا بعدائها لإسرائيل، واعتبارها أن هذا الكيان لعب أدوارا سببت لنا العديد من الكوارث".

انطلاقا من هنا طرح صفير -خلال الحرب الأهلية- العديد من علامات الاستفهام على علاقة بعض القوى اللبنانية مع إسرائيل مما استدعى خلافات وتوترا في العلاقة بينه وبين هذه القوى، وخاصة القوات اللبنانية.

لكن يبدو أن أولويات البطريرك الراحل تختلف عن خلفه الراعي الذي زار القدس المحتلة برفقة بابا الفاتيكان فرانشيسكو صيف 2014.

المصدر : الجزيرة