عـاجـل: مراسل الجزيرة: مكتبة نيويورك تقرر إلغاء منتدى تنظمه مؤسسة مسك السعودية بعد ضغوط منظمات حقوقية

لوموند دبلوماتيك: عناد شعبي من أجل الديمقراطية بالسودان

ثار السودانيون على البشير ولكن الجيش استلم السلطة فهل سيقبل بتركها؟ (رويترز)
ثار السودانيون على البشير ولكن الجيش استلم السلطة فهل سيقبل بتركها؟ (رويترز)
أصبح السودان عاجزا عن إطعام أبنائه بعد أن كان يطمح لأن يكون سلة غذاء العالم العربي، وذلك جراء التقشف الصارم الذي فرضه عليه صندوق النقد الدولي بعد حرمانه من موارد النفط بانفصال الجنوب عام 2011، وجراء استنزاف النفقات العسكرية الباهظة لميزانيته.
وبسبب هذه الأزمة الخانقة -كما وصفتها مجلة لوموند دبلوماتيك الفرنسية، في مقال لجيوفانا ليلي الكاتبة والباحثة بشؤون العالم الإسلامي- ثار هذا الشعب الغاضب على "الدكتاتور" عمر البشير، ولكن الجيش استلم السلطة، فهل سيقبل بتركها بعد كل هذا الغضب والإصرار الشعبي على التغيير؟ تتساءل المجلة.
وبعد أن استعرضت الأسباب المباشرة للغضب الذي حرك الثورة، من مضاعفة الحكومة سعر الخبز ثلاث مرات لمواجهة التضخم الهائل الذي زاد على 70% والانخفاض الحاد في سعر الجنيه مقابل الدولار الأميركي، نبهت الكاتبة إلى تحول الاحتجاجات بسرعة إلى حركة سياسية لا تقبل بأقل من إسقاط النظام.
وحاولت ربط الحراك "بالربيع العربي" الذي اندلع عام 2011 مشيرة إلى أن السودان لم تتوقف فيه الاحتجاجات منذ ذلك الوقت، وإن كانت غالبا ما تكون محلية ويتم قمعها، لكن الحركة التي ولدت في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بدت للكاتبة مختلفة: بطابعها القومي والوحدوي وبالتقارب داخلها بين عدة مجموعات ذات شرعية شعبية قوية.
واستعرض المقال مكونات الحراك الذي تجمع تحت اسم قوى إعلان الحرية والتغيير، مشيرا إلى مساهمته في إسقاط البشير، والدور الفعال الذي لعبه تجمع المهنيين النشط، وأحزاب وهيئات أخرى ضمن إعلان الحرية والتغيير.
وعدد مجموعة من الأحداث بدأت باعتقال الرئيس على يد الجيش وما رافقه من حل البرلمان وإنشاء "مجلس عسكري انتقالي" لمدة عامين، وما تلا ذلك من تنازلات، انتهاء بالبرنامج السياسي الذي ينص بشكل أساسي على إنشاء حكومة انتقالية مدنية وديمقراطية لمدة أربع سنوات، وما دار حول ذلك من مفاوضات.
كلنا دارفور
وفي تحليلها للأسباب الجذرية للموجة الثورية الحالية، أشارت الكاتبة إلى الأضرار التي سببتها دكتاتورية البشير العسكرية التي استمرت ثلاثين عاما، وما أدت إليه من تراجع متعدد الأشكال، شمل القمع على نطاق واسع وحظر الأحزاب ونقابات العمال الحرة، مشيرة -مقابل ذلك- إلى مطلب قوى إعلان الحرية والتغيير بإنشاء مجلس للقانون المدني الانتقالي يعكس أعضاؤه التنوع الثقافي والعرقي والديني من أجل تأسيس نظام قانوني "محايد ووطني".
وفي هذا السياق الاستبدادي والقمعي، واجه السودانيون مشكلات اقتصادية كبيرة، بعد الطفرة التي سبقت انفصال الجنوب والتي لم يستفد منها بشكل حقيقي -حسب الكاتبة- سوى بعض المنتفعين المحيطين بالسلطة.
وإلى جانب الأزمة الاقتصادية الخانقة، قالت الكاتبة إن عددا من الصراعات دمرت البلاد، كالحرب التي سبقت انفصال الجنوب والحرب في دارفور، مشيرة إلى أن للموجة الثورية الحالية تأثير نشر الشعور بالوحدة الوطنية في جميع أنحاء البلاد.
وبهذا المعنى تقول الكاتبة إن أحد شعارات المتظاهرين بالعاصمة "كل البلد دارفور" يبدو بليغا، كما أن الهدف الأول للحكومة الانتقالية التي يتصورها تحالف إعلان قوى التغيير هو معالجة "الأسباب الجذرية" للحروب الأهلية وإيجاد حل عادل ودائم لها.

نضال مستمر
ومع ذلك -تقول الكاتبة- فإن الانحدار السياسي والاقتصادي والصراعات لا يكفيان لتفسير الحراك الذي ولد في ديسمبر/كانون الأول الماضي، مستعرضة تاريخ النضال السياسي بالسودان الذي قالت إنه تميز بالسعي المستمر للحرية منذ الاستقلال عن بريطانيا عام 1956.
وأشار المقال إلى أن السودان شهد قيام دكتاتوريات عسكرية متناوبة أطاحت بها ثورات شعبية سلمية وأقامت مكانها أنظمة ديمقراطية "سريعة الزوال" مثل "ثورة أكتوبر" عام 1964 التي هزمت دكتاتورية الفريق إبراهيم عبود العسكرية، و"ثورة أبريل" عام 1985 التي وضعت حدا للدكتاتورية العسكرية التي مارسها جعفر نميري.
ونشأت هذه الحركات الجماهيرية المتعاقبة -بما في ذلك الحراك الحالي- من خلال النضال السياسي المستمر من قبل جهات فاعلة، مثل عمال السكك الحديدية ومزارعي الجزيرة ومنظمات الحقوق المدنية النسائية، ناهيك عن الحزب الشيوعي، والمثقفين الوطنيين المستنيرين.
حل وسط
وفي حالة انتصار الاحتجاج الشعبي الحالي، رأت الكاتبة أنه من الضروري للسلطات الجديدة أن تتبنى حلا وسطا تاريخيا يجمع بين الأحزاب التقليدية والطرق الصوفية وشرائح المجتمع التقدمية الحديثة، مشيرة إلى أن الوضع داخليا يبدو مواتيا لذلك، رغم الغموض الذي ما يزال يلف موقف الجيش النهائي.
أما على مستوى الخارج، فيختم المقال بأن العديد من الدول العربية -وخاصة دول الخليج- لن تكون راضية عن تطور الديمقراطية الحقيقية بالسودان خوفا من آثارها المزعزعة للاستقرار على مجتمعاتها، كما أن ردود أفعال الدبلوماسيين الغربيين والأمم المتحدة كانت حذرة للغاية.
لكن الكاتبة عادت فنبهت إلى أنه لا يوجد حتى الآن من يعترف بأن تحالف قوى التغيير هو الممثل الشرعي للشعب، وبالتالي فإن الزخم الثوري في السودان لا يمكنه الاعتماد إلا على نفسه فقط.
المصدر : الصحافة الفرنسية