انتخابات إسبانيا.. ما أسباب الفوز الكاسح للاشتراكيين؟

سانشيز عرف بمحاولاته الدؤوبة للتخفيف من معاناة المواطنين من الأزمة الاقتصادية (الأناضول)
سانشيز عرف بمحاولاته الدؤوبة للتخفيف من معاناة المواطنين من الأزمة الاقتصادية (الأناضول)

آمن عجاج-مدريد

أعاد زعيم الحزب الاشتراكي بيدرو سانشيز البهجة إلى قلوب أنصاره بالفوز الانتخابي الكبير الذي حققه مساء الأحد الماضي، بعد الهزائم المتتالية التي لاحقت الاشتراكيين منذ 11 عاما بعد خروجهم من السلطة بسبب الاستياء من أسلوب معالجتهم للأزمة الاقتصادية.

وقبل تلك الانتخابات، كان الاشتراكيون ممسكين بزمام الحكم، بعد أن أزاحوا حكومة الحزب الشعبي المحافظ في أعقاب اقتراع ثقة تقدموا به إلى البرلمان ضد الحكومة وحظي بتأييد الأغلبية.

وكان الهدف من الاقتراع إقصاء المحافظين عن الحكم بعد فضيحة فساد مالي لم يعملوا على مواجهتها وعلاجها، وأصدر القضاء حكما ضدهم بتهمة الاستفادة من ذلك الفساد لتمويل حزبهم بصورة غير شرعية.

وكان خصوم سانشيز في البرلمان يهزؤون منه على اعتبار أنه لم يفز بانتخابات شعبية، وإنما وصل لرئاسة الحكومة "من الباب الخلفي" عبر اقتراع ثقة بالبرلمان، فكان يرد عليهم بأنه حظي بتأييد أغلبية ممثلي الشعب في البرلمان.

سانشيز خلال تجمع انتخابي في مدريد (الأناضول)

واتسمت الشهور العشرة لحكومة سانشيز الاشتراكية بمحاولاته الدؤوبة للتخفيف من معاناة المواطنين من الأزمة الاقتصادية، ولإيجاد حل للأزمة الكتالونية عبر الحوار مع الأحزاب القومية الحاكمة في ذلك الإقليم، والذين أيدوه للوصول للحكومة، ولكنهم خذلوه عندما تقدم للبرلمان بمشروع قانون الموازنة العامة للدولة.

أسباب الرفض
وكان سبب رفضهم تأييده هو عدم استجابته لمطالبهم المتمثلة في إجراء استفتاء لتقرير المصير في كتالونيا والإفراج عن زعماء تلك الأحزاب الذين تحاكمهم المحكمة العليا الإسبانية بتهمة التمرد لتنظيمهم استفتاء غير مشروع في كتالونيا لتقرير المصير والانفصال في أكتوبر/تشرين الأول 2017، وهي مطالب تتعارض مع استقلال القضاء وأحكام الدستور الإسباني.

ولهذه الأسباب، دعا سانشيز إلى هذه الانتخابات المبكرة، فكان لسياساته الاجتماعية -وجنوحه إلى الاعتدال وتغليب كفة السياسة والحوار لحل الأزمة الكاتالونية- هذا التأييد الشعبي الواسع الذي ترجمه الفوز بالانتخابات، وفقا لكثير من المحللين السياسيين الإسبان.

في المقابل، كان الحزب الشعبي المحافظ أكبر الخاسرين بعد أن فقد أكثر من نصف عدد مقاعده بالبرلمان، وهو ما يعزوه محللون إلى لجوئه إلى الخطاب المتشدد لمحاولة اجتذاب ناخبي حزب "فوكس" اليميني المتطرف.

تجمع لحزب العمال في مدريد (غيتي)

ولكن غلاة اليمين لم يجدوا في خطاب الحزب الشعبي الجديد ما يستهويهم وفضلوا انتخاب "فوكس". أما مؤيدو الاعتدال في تيار اليمين فقد آثروا التصويت لحزب "ثيودادانوس" الليبرالي بعد هذا التطرف الطارئ على سلوك الحزب الشعبي، حسب مراقبين.

واستفاد "ثيودادانوس" من هذه الظرفية، فرفع تمثيله داخل البرلمان بنسبة 80% مقارنة بالفترة التشريعية الماضية، واحتل بذلك المركز الثالث بين أكبر الأحزاب البرلمانية منتزعا إياه من أيدي حزب "بوديموس" اليساري الشعبوي، وأضحى "ثيودادانوس" ينافس الحزب الشعبي على زعامة تيار اليمين الإسباني.

أما "بوديموس" فيعود تراجعه بين ناخبي اليسار إلى الخلافات الداخلية في قيادة حزبه التي أدت إلى الإطاحة بعدد من زعمائه التاريخيين، بالإضافة إلى تناقض خطاب قادته.

وبينما يقول زعيم الحزب بابلو إغلسياس إنه يدافع عن الفقراء والمهمشين، لم يجد غضاضة في شراء منزل فخم في أرقى ضواحي مدريد حيث تسكن الأسر الثرية، فامتعض العديد من مناصريه.

قيادات من حزب "بوديموس" (غيتي)

وارتأى كثير من مؤيدي "بوديموس" أن صوتهم سيكون أكثر فائدة إذا دعموا الحزب الاشتراكي في مواجهة اليمين الذي تحالفت أحزابه بعد الانتخابات الإقليمية في ديسمبر/كانون الأول الماضي في الأندلس للإطاحة بحكومة الحزب الاشتراكي التي أدارت هذا الإقليم منذ بداية عهد الديمقراطية في البلاد.

"فوكس" المفاجأة
وحقق حزب أقصى اليمين "فوكس" مفاجأة بدخوله للبرلمان للمرة الأولى منذ بداية عهد الديمقراطية، ولكن قادته أصيبوا بخيبة أمل بعد أن كانت استطلاعات الرأي تشير لإمكانية حصولهم على ستين مقعدا لكنه لم يتمكن من تجاوز 24 مقعدا.

ويرى دييغو لوبيث غارّيدو وزير الدولة السابق لشؤون الاتحاد الأوروبي أن الخيار الأكثر جدوى للحزب الاشتراكي الآن -بعد الزيادة الكبيرة لمقاعده بالبرلمان- هو الاستمرار في تشكيل حكومة أقلية أحادية الحزب، وعقد اتفاقية للفترة التشريعية الجديدة مع "بوديموس" بصفة أساسية ومع مجموعات برلمانية أخرى صغيرة تميل إلى التفاهم مع الحزب الاشتراكي وحكومته.

 غارّيدو: السير على هذا الخط في الحكم يمكن أن يحقق الاستقرار للحكومة القادمة (الجزيرة)

وأوضح في حديثه للجزيرة نت أن هذا سيسهم في حصول الحكومة الجديدة بأسرع ما يمكن على ثقة البرلمان، أما فيما يتعلق بتسيير شؤون الحكم فسيكون على الاشتراكيين التحاور مع كافة أحزاب البرلمان، لأن ذلك سيتيح تحقيق توافقات واسعة، وخاصة في مواضيع القضايا البارزة على مستوى الدولة من قبيل مكافحة الإرهاب أو الحكم الذاتي في الأقاليم أو سياسة إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي.

ويرى غارّيدو أن السير على هذا الخط في الحكم يمكن أن يحقق الاستقرار للحكومة القادمة التي لن تحتاج بذلك إلى دعم مباشر من الأحزاب القومية الكتالونية أو الباسكية المطالبة بالاستقلال، وسيسمح للحكومة بالتحرك داخل مجال دستوري ومؤيد للوحدة الأوروبية وداعم للسياسات الاجتماعية، وهو المجال الذي اتسمت به دائما سياسات الحزب الاشتراكي، على حد تعبيره.

وفيما يتعلق بالتراجع الكبير للحزب الشعبي في الانتخابات، أكد المسؤول السابق أن الحزب الشعبي مهم جدا "ولا يجب اعتبار هذه الهزيمة بداية الانهيار، فهو حزب واسع الانتشار في إسبانيا".

خطأ بالاختيار
وأشار إلى أن الحزب "أخطأ بالكامل في اختيار إستراتيجيته" وأن الخطأ بدأ منذ امتناع رئيس الحكومة السابق وزعيم الشعبي ماريانو راخوي عن الاستقالة بعد صدور حكم ضد حزبه في فضيحة فساد، وهو ما أدى إلى سقوط حكومته في اقتراع ثقة بالبرلمان.

وأضاف أن الزعيم الجديد للحزب الشعبي بابلو كاسادو أخطأ أيضا عندما بنى كل إستراتيجيته في الحملة الانتخابية على أساس القول إن الحزب الاشتراكي "غير مؤيد للدستور ويجب إخراجه من الحكم لأنه يتفق مع الأحزاب القومية المؤيدة للاستقلال عن إسبانيا على أمور لا يمكنه البوح بها، وهو أمر غير صحيح" لأن الإسبان لا يرون أن الحزب الاشتراكي ينتهج سياسة ترمي إلى تدمير إسبانيا.

الزعيم الجديد للحزب الشعبي بابلو كاسادو (غيتي)

وأوضح غارّيدو أن الخطأ الثاني الأبرز لهذا الحزب المحافظ هو اعتباره "أن جزءا أساسيا من هيكل حكومته المفترضة المقبلة يجب أن يكون مع فوكس الحزب الذي ينتمي لليمين المتطرف بكل وضوح".

ويقترح أن تكون هناك حيازة للأسلحة في كل المنازل وإلغاء قوانين مكافحة العنف ضد المرأة ومناهضة الوحدة الأوروبية، مؤكدا أن هذا الخطاب لم يستوعبه الإسبان ولهذا انهارت نتائج الحزب الشعبي في الانتخابات.

يدعو للقلق
وأكد غارّيدو أن دخول حزب من أقصى اليمين مثل "فوكس" إلى البرلمان يدعو إلى قلق كبير، فهو "حزب شعبوي كانت من أوائل مهنئيه مارين لوبان (زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي المتطرف) وسيتحرك إذا فاز بمقاعد في انتخابات البرلمان الأوروبي داخل نطاق الأحزاب المناهضة للاتحاد الأوروبي".

ولهذا، فمن المثير جدا للقلق أن يوجد هذا الحزب داخل البرلمان الإسباني وأن يتمكن من تشكيل مجموعة برلمانية كبيرة داخل هذه الهيئة التشريعية بالرغم من حصوله على عدد من المقاعد أقل مما أشارت إليه التوقعات.

حزب أقصى اليمين "فوكس" حقق مفاجأة بدخوله للبرلمان للمرة الأولى منذ بداية عهد الديمقراطية (رويترز)

وأكد السياسي الإسباني أن دخول اليمين المتطرف للمؤسسات الديمقراطية يمثل التحدي الأكبر أمام أحزاب يسار الوسط الأوروبية.

وأضاف "حضرت قبل أيام ندوة عقدتها ببرلين مراكز أبحاث تنتمي لتيار اليسار التقدمي بأوروبا لمناقشة موضوع كيفية وقف تقدم اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية في أوروبا واستعادة النفوذ السياسي لأحزاب يسار الوسط والاشتراكية الديمقراطية التقدمية المؤيدة للوحدة الأوروبية".

مزيد من التناغم
ويعتقد المتحدث أنه يجب أن يكون هناك المزيد من التناغم بين تلك الأحزاب على المستوى الأوروبي، لأن هناك أحزابا منها تقول في بلد ما عكس ما تقوله نظيراتها في بلدان أخرى فـ "يجب أن يكون هناك سعي للتنسيق في سياسات معينة بين تلك الأحزاب وأن تثبت للمواطنين الأوروبيين أنه من الممكن الخروج من الأزمة الاقتصادية الكبرى التي وضعنا فيها انعدام الضوابط المالية الأميركي قبل سنوات، والتقدم في الوحدة الأوروبية".

الصفحة الأولى لصحيفة "ألبايس" بعيد إعلان نتائج الانتخابات (الأناضول)
وأكد أنه يجب على اليسار الأوروبي دحض مقترحات اليمين المتطرف التي تتسم بالتبسيط التام، وتقوم على أساس أن المواطنين الأوروبيين لم يروا إجابة مناسبة بشأن الأزمة الاقتصادية الكبرى على المستوى فوق الوطني بالاتحاد الأوروبي.

واعتبر أنهم قرروا لذلك العودة إلى "رحم الوطن الأم" معتقدين أن أي دولة بمفردها تستطيع الرد على تحديات كبرى من قبيل التغير المناخي أو الإرهاب العابر للحدود أو العولمة الاقتصادية، مشددا على أن الحل يكمن في تحقيق مزيد من الوحدة الأوروبية، داعيا إسبانيا إلى لعب دور رائد في هذا الصدد.

المصدر : الجزيرة