الجزائر.. هوس "مفاجئ" بالثقافة الدستورية

الثقافة الدستورية تغزو الشارع الجزائري
المادتان 7 و8 من الدستور لاقتا اهتماما بالغا منذ بداية الحراك (الجزيرة)

الخير شوار-الجزائر

فيما يحتدم الجدل بالجزائر بشأن الحلول الدستورية للفراغ السياسي، وإيجاد خليفة للرئيس المستقبل يقنع الشارع الغاضب من النظام رفع أحد المحتجين لافتة كتب عليها "الشعب يريد تطبيق المادة 2019″، في إشارة إلى سنة 2019، وهي "يتناحو قاع" (بمعنى على جميع المسؤولين أن يرحلوا).

وتشهد الجزائر ساعات حاسمة قد تتضح خلالها ملامح المرحلة الانتقالية بعد طي صفحة حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، مع اجتماع البرلمان بغرفتيه غدا الثلاثاء لترسيم شغور المنصب وتسلم شخصية لم تعرف إلى الآن مقاليد السلطة مؤقتا.

وعلق أحد الكتاب الذي ظل يشكو من عزوف الجزائريين عن قراءة الكتب بأن "الدستور" أعاد الناس إلى المطالعة وقفز إلى قائمة أكثر الكتب مبيعا وتحميلا من الإنترنت.

وبقدر ما حمل الحراك الشعبي المتواصل في الجزائر منذ 22 فبراير/شباط الماضي صورة جديدة للجزائريين تتمثل في السلمية وروح المرح والدعابة بقدر ما أبرز اهتمام الشارع في الجزائر بالشأن السياسي ومحاولة فهم الدستور بمختلف مواده.

‪متظاهرون في العاصمة الجزائرية قبل أيام‬ (الأناضول)‪متظاهرون في العاصمة الجزائرية قبل أيام‬ (الأناضول)

وعلق أحدهم عبر فيسبوك قائلا إنه "يخشى أن تطول الأزمة إلى غاية حلول شهر رمضان ونجد أنفسنا قد ختمنا الدستور مرتين".

وراهن الملايين من المشاركين في الحراك الشعبي -الذي دفع بوتفليقة إلى الاستقالة- على الحل من داخل الدستور الذي وضع صيغته الحالية الرئيس نفسه قبل ثلاث سنوات من الآن.

وتنص المادة 102 على حالات شغور منصب رئيس الجمهورية والإجراءات التي تليها، في حين تؤكد المادة 7 منه على أن "الشعب الجزائري هو مصدر كل السلطات".

ما بعد "الفراغ"
والدستور الحالي للجزائر هو نفسه الذي مرره الرئيس المستقيل قبل ثلاث سنوات، وتحديدا في فبراير/شباط 2016 من خلال البرلمان دون أن يثير أي جدل أو نقاش يذكر.

‪جابي: الوعي السياسي أصبح لافتا‬ (الجزيرة)‪جابي: الوعي السياسي أصبح لافتا‬ (الجزيرة)

وعن هذا التحول، يقول الأستاذ السابق لعلم الاجتماع السياسي في جامعة الجزائر الدكتور ناصر جابي إن المجتمع الجزائري وإلى غاية احتجاجات 2011 التي سميت إعلاميا "أحداث السكّر والزيت" لم يكن مسيسا.

ويضيف المتحدث للجزيرة نت أن تلك الحركة الاحتجاجية قايضت بتحقيق بعض المكاسب الاقتصادية، مما اضطر السلطات مع المخاوف من عدوى "الربيع العربي" إلى "شراء السلم الاجتماعي بأغلفة مالية معتبرة".

ومع حراك 2019 خرج الدستور الجزائري عن إطاره القانوني الجاف وأصبح حديث الناس في الشوارع والمقاهي.

وفي كل مرة يتم التركيز على مادة منه حسب التطورات بدءا من المادة 102 التي تتحدث عن حالة شغور منصب الرئيس إلى المادة 104 المقترنة بها التي تحدد صلاحيات رئيس الدولة المؤقت بعد إثبات حالة الشغور.

كما تم التطرق إلى المادة 107 التي تنص على الحالة التي يحق فيها لرئيس الجمهورية تمديد ولايته، ثم المادة 7 التي تقول إن الشعب مصدر كل السلطات، والمادة 8 التي تنص على الطرق والتي يمارس بها الشعب سلطاته.

"التجربة السويسرية"
ويؤكد جابي للجزيرة نت أن الجزائر اليوم أمام لحظة تاريخية مختلفة تتميز بمطالب سياسية واضحة، معتبرا أن هناك الكثير من العوامل ساهمت في ذلك.

‪الشباب الجزائريون شاركوا بكثافة في الحراك‬  (الأناضول)‪الشباب الجزائريون شاركوا بكثافة في الحراك‬ (الأناضول)

ومن بين هذه العوامل ارتفاع نسبة التعليم، حيث أصبحت الأمية في أوساط الشباب الأقل من 30 سنة لا تتعدى 10%، إضافة إلى انتشار شبكات التواصل الاجتماعي التي لعبت دورا محوريا في هذا الحراك.

ويعتبر المتحدث أن رواد تلك الشبكات باتوا يتناقشون في مختلف المسائل السياسية التي امتدت إلى الثقافة الدستورية بمشاركة بعض المختصين الذين عملوا على تبسيط الأمر للمواطن البسيط.

وقفزت المادة 102 إلى جانب المادة 7 من الدستور إلى الكلمات الأكثر بحثا في موقع غوغل في الجزائر، وهي المادة التي قال بشأنها أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر الدكتور رضوان بوهيدل "إن المغالاة في استعمالها ستحيلنا إلى الحالة السويسرية، حيث يكون الدستور هو الفيصل لحل أي نزاع".   

مؤقت أم دائم؟
وفي حديثه للجزيرة نت، يؤكد بوهيدل أن "اهتمام الشارع الجزائري بالسياسة سيطول وحتى هذا الحراك نفسه سيطول، والسبب هو المادة 7 من الدستور التي اكتشفها الجزائريون واكتشفوا من خلالها سلطة لهم كانوا يجهلونها".

ويؤكد جابي أن الوعي السياسي أصبح لافتا في الشارع الجزائري بعد أن كان في السابق محصورا في بعض الجمعيات والحركات السرية ذات التوجه الإسلامي والشيوعي.

‪شعارات مختلفة رفعها المحتجون في الجزائر‬ (رويترز)‪شعارات مختلفة رفعها المحتجون في الجزائر‬ (رويترز)

ويتوقع أن الأمر سيتواصل طوال المرحلة الانتقالية التي تلي هذا الحراك وربما طوال العهدة الانتخابية للرئيس المقبل، مضيفا "نحن الآن أمام جيل مسيس بامتياز مثلما كان جيل الثورة التحريرية الذي استمر في الحكم إلى غاية الآن".

يذكر أن أول قرار اتخذته حكومة نور الدين بدوي بعد استقالة بوتفليقة هو فتح المجال واسعا أمام الراغبين في تأسيس جمعيات وأحزاب سياسية، ربما رغبة في امتصاص جموح الشارع ومحاولة إدخاله لممارسة حقوقه عبر بعض الأطر الرسمية، حسب مراقبين.

المصدر : الجزيرة