البريد وأودان و"غار حراك".. قبلة الجزائريين للاحتجاج ضد النظام

إسلام عبد الحي-الجزائر

أعاد حراك الجزائريين المتدفق عبر الشوارع منذ أسابيع رسم خريطة الأماكن والساحات، وباتت المواقع توصف بقربها أو بعدها من أماكن الاحتجاجات.
 
ومنذ بدء الحراك في 22 فبراير/شباط الماضي، بات المثلث الذي تتشكل زواياه من ساحتي البريد المركزي وموريس أودان ونفق الجامعة المركزية، وسط العاصمة الجزائرية، قبلة المحتجين القادمين من مختلف أنحاء البلاد للمطالبة برحيل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ثم للتعبير عن رفضهم لاستمرار نظامه بعد استقالته في الثاني من أبريل/نيسان الجاري.

تتفرع عن المثلث القِبلة أهم الشوارع في العاصمة، فالبريد المركزي يعود تاريخه إلى حقبة الاستعمار الفرنسي، أما ساحة موريس أودان فهي تحمل اسم شخصية فرنسية ناضلت لاستقلال الجزائر، وبين الساحتين نفق الجامعة المركزية يربط بينهما.

ساحة البريد
احتضنت ساحة البريد المركزي مختلف المظاهرات والحركات الاحتجاجية قبل الحراك الحالي، وتعتبر همزة وصل بين الجزائريين، ومكانا تضبط فيه المواعيد وتحدد فيه اللقاءات.

تاريخ هذا المعلم يعود إلى حقبة الاستعمار الفرنسي، ففي سنة 1913 دشنت فرنسا قصر البريد المركزي، وأشرف على تصميمه المعماريان الفرنسيان "فوانو" و"توندوار"، اللذان حرصا على الهوية الجزائرية العثمانية في تشييد القصر، من خلال صومعتين صغيرتين ما يجعله أشبه بالمسجد، والأقواس داخل وخارج البناء فضلا عن الزخارف الكثيرة والمميزة بداخله.

مخرج نفق الجامعة المركزية (الجزيرة)مخرج نفق الجامعة المركزية (الجزيرة)

ومنذ بداية المسيرات توافق الجزائريون القادمون من مختلف المناطق على التوجّه كل جمعة إلى ساحة البريد المركزي، يفترشون درج مبنى البريد المركزي خلال الساعات الأولى من الصباح بعد رحلة السفر الطويلة، ليلتحق بهم القاطنون بالعاصمة، بعد صلاة الجمعة، وتمتد المظاهرات إلى ما قبل الغروب، وهم يردّدون شعاراتهم المطالبة بتغيير النظام.

واختار الجزائريون ساحة البريد المركزي لسهولة الوصول إليها عبر خط المترو وتوفر وسائل النقل العامة الأخرى، ولكونها ملتقى شوارع وسط الجزائر العاصمة، كما أنها تقع على مقربة من مؤسسات رسمية أهمّها البرلمان بغرفتيه وقصر الحكومة وعدة وزارات منها الداخلية.

ومنذ عام 2015 بدأت أشغال تحويل المبنى إلى متحف لخدمات البريد، بعد أن ظل سنوات طويلة مكتبا يقدم خدمات البريد المختلفة.

ساحة أودان
مع بداية الاحتجاجات في الجزائر، تحولت ساحة موريس أودان، التي تقع بمحاذاة الجامعة المركزية، إلى ميدان التجمع الأثير لشباب الحراك، الذين يحجون إليها كلما طرأ جديد يخص الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، للتعبير عن سعادتهم بما تحقق من مطالبهم المدونة على قصاصات معلقة على النصب التذكاري لموريس أودان، أو عن استيائهم مما لا يروقهم مما يُعلن من قرارات.

وبعد مرور 61 عاما على رحيله، تحول موريس أودان إلى رمز لشباب الحراك الجزائري،فقد أطلق الطلبة الجامعيون بعد أسبوعين من الحراك هاشتاغ  "#Post_it_ga3″، ودونوا شعاراتهم ومطالبهم على أوراق صغيرة ملونة وثبتوها على النصب التذكاري الذي أقيم لأودان في الساحة التي تحمل اسمه.

ولد موريس أودان سنة 1932 في تونس، لكن سرعان ما هاجرت عائلته إلى الجزائر واستقرت في العاصمة. عمل أستاذا في مادة الرياضيات بجامعة الجزائر، وتأثر بالثورة الجزائرية، فانضم إلى الحزب الشيوعي الجزائري، من أجل الدفاع عن استقلال الجزائر.

شباب الحراك يثبتون قصاصات تحمل أحلامهم على اللوحة التذكارية لموريس أودان (الجزيرة)شباب الحراك يثبتون قصاصات تحمل أحلامهم على اللوحة التذكارية لموريس أودان (الجزيرة)

وفي 11 يونيو/حزيران 1957 اقتاد مظليون من الجيش الفرنسي الشاب أودان من منزله، وبعد عشرة أيام على خطفه، تلقت زوجته مكالمة هاتفية من الجيش الفرنسي مفادها أن زوجها قد فر من قبضة الجيش أثناء تحويله إلى مكان آخر.

وظل مصير أودان غامضا إلى أن اعترف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لأرملته في شهر سبتمبر/أيلول 2018 بمسؤولية فرنسا عن مقتله على يد الجيش الفرنسي.

غار حراك
ساحتا البريد وأودان يربط بينهما نفق الجامعة المركزية، نفق ظلّ لفترة طويلة مجرد فضاء لعبور السيارات والراجلين، لكن منذ 22 فبراير/شباط الماضي، بات لدى كثيرين معلما يخلّد انتفاضة الشعب على النظام القائم، ومحجّا تجتمع فيه مختلف القوى والفئات.

الإحساس داخل النفق ليس مثل خارجه، فللوهلة الأولى ينتابك شعور غريب، يتولد من الظلام الذي يسود المكان ورجع صدى الصوت المنطلق من حناجر تحررت بعد عقود من الصمت، مطالبة بالتغيير الجذري للنظام.

استعار شباب الحراك بإطلاق تسمية "غار حراء" على حراكهم الاحتجاجي تيمنا باختيار سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام- له لجوءا واحتماء بالله عز وجل ومفارقة لقريش وظلمها وبطشها وتشرفا أيضا بنزول القرآن فيه.

وأصبح اليوم النفق الجامعي يسمى "غار حراك" للتعبير عن أنه النفق الذي احتمى به الجزائريون للخروج من ظلمات الأزمة الراهنة إلى نور المستقبل.

المصدر : الجزيرة