نقابات السودان.. ضحايا التغيير السياسي

البشير وقادة اتحاد العمال في مؤتمره العام عام 2016
البشير وقادة اتحاد العمال في مؤتمره العام عام 2016

أحمد فضل-الخرطوم

في كل تغيير سياسي ألمّ بالسودان كانت نقابات العمال أولى ضحاياه حلا أو تجميدا، شأنها شأن الأحزاب، فالحركة النقابية في هذا البلد ضاربة في القدم وشديدة التأثير.

وقد انتبهت "الإنقاذ" -التي استولت على الحكم عبر انقلاب عسكري قاده الرئيس المعزول عمر البشير في يونيو/حزيران 1989- إلى خطورة النقابات، فعمدت إلى حلها قبل أن توحدها تحت راية الاتحاد العام لنقابات عمال السودان.

وكان تاج السر عبدون أول رئيس للحركة النقابية الموحدة تحت مسمى اتحاد عمال السودان لدورتين من العام 1992 إلى العام 2001.

وتنتظر الاتحادات والنقابات المهنية الآن وصول مخاطبات رسمية من اتحاد العمال الذي يقوده حاليا عبد الكريم يوسف، لتسليم عُهدهم وتشكيل لجان التسيير.

وبحسب مراقبين فإن جميع الاتحادات المهنية متهمة بموالاة النظام المخلوع، إذ تحت لافتة اتحاد نقابات عمال السودان حظي البشير في يناير/كانون الثاني الماضي بمؤازرة العمال خلال الاحتجاجات التي استمرت نحو أربعة أشهر وقادت إلى اقتلاعه.

وسبقت قطاعات مهنية قرار المجلس العسكري الاستيلاء على مقرات الاتحادات التي سيطر عليها الموالون للعهد البائد منذ عقود.

العسكر جمدوا نشاط النقابات إلى حين انعقاد جمعياتها العمومية (رويترز)

قرار العسكر
وأصدر المجلس العسكري الانتقالي الأحد قرارا بتجميد نشاط النقابات والاتحادات المهنية والاتحاد العام لأصحاب العمل. كما وجّه القرار المسجل العام لتنظيمات العمل بتكوين لجان تسيير إلى حين انعقاد جمعياتها العمومية.

ونص القرار على تكليف عدد من اللجان لحصر وضبط العهد والأصول والمعاملات المالية، مع تخويلها سلطة القيام بأية أعمال أو واجبات تمليها الظروف وتتعلق بالنواحي الاجتماعية والتكافلية والإنسانية لمنسوبي النقابات والاتحادات المختلفة.

وتجنب رئيس اتحاد عمال السودان ونائبه إبداء أي ردود فعل تجاه قرار المجلس العسكري رغم مرور 24 ساعة على صدور قرار تجميد النقابات والاتحادات المهنية.

لكن رئيس النقابة العامة لعمال التعليم العام عباس محمد أحمد حبيب الله يقول إن النقابة لم تتلق حتى الآن ما يفيد بالتجميد.

ويشير حبيب الله في حديث للجزيرة نت إلى أن التجميد يتطلب عملية تبدأ بوزارة العدل وتمر بمسجل التنظيمات ومن ثم إلى رئاسة اتحاد العمال التي ستنزل قرارات التجميد إلى النقابات والاتحادات، متوقعا اتضاح الرؤية قريبا.

سنة التغيير
ويرى حبيب الله أن التغيير "سنة ماضية" ولا يعني توقف العمل، لكن كل ما يتمناه أن لا يقع ضرر على نقابة التعليم لكبر حجمها.

ويتابع أن "النقابة تدير صندوقا للعاملين وخدمات لعضويتها الممتدة في كل بقاع السودان ولا تحتمل التوقف، خاصة أن شهر رمضان على الأبواب.. نأمل أن نكون ماضين للأفضل، فالأشخاص إلى زوال ويبقى ما ينفع الناس".

وامتدح حبيب الله قرار المجلس العسكري قائلا إنه جاء مدروسا بشكل قانوني، حيث أمر بتشكيل لجان للتسيير، ومما يحمد للقرار أنه لم يشمل نقابة المحامين.

ووفقا لتعديل قانون النقابات عام 2010 تعدلت لائحة البنيان النقابي لتصبح النقابات العامة 16 نقابة عامة حتى قيام الانتخابات النقابية عام 2011.

وابتعدت هذه النقابات خلال حقبة حكم البشير -التي امتدت لثلاثين عاما- عن الشأن السياسي، عدا إضرابات محدودة -غالبها في الولايات- بسبب تأخر رواتب أو مستحقات مالية.

وتسببت موالاة النقابات والاتحادات المهنية للنظام الحاكم في نشوء كيانات موازية ذات صبغة معارضة، مثل لجنة أطباء السودان ولجنة المعلمين وشبكة الصحفيين، وهي التي شكلت لاحقا تجمع المهنيين السودانيين الذي تبنى الاحتجاجات المطالبة بتنحي البشير.

تجمع المهنيين السودانيين قاد المظاهرات ضد نظام البشير وكان عباءة للنقابيين غير المنضوين في الاتحاد (رويترز)

استثناءات
لكن ثمة اتحادات ترى أن قرار المجلس العسكري لا يشملها من ناحية الاختصاص، مثل اتحاد المحامين السودانيين.

ويقول نقيب المحامين السودانيين عثمان محمد الشريف للجزيرة نت "نعتقد أن القرار لا يشمل نقابة المحامين"، مضيفا أن "القرار موجه لمسجل تنظيمات العمل، ونقابة المحامين ليست منضوية تحته ولا يديرها المسجل الذي يدير النقابات والاتحادات الأخرى".

ويوضح الشريف أن نقابة المحامين تقوم على قانون، وهي تدير شؤون مهنة المحاماة من الترخيص إلى تقديم الخدمات، فضلا عن تمثيل السودان في منابر إقليمية ودولية.

ويقول إن نقابة المحامين مستوفية لكل شروط الديمقراطية في تكوينها، وبالتالي فإن ثمة أخلاقيات وأعرافا بين المحامين في التعامل مع النقيب بكل احترام، وكل العضوية بمختلف مشاربها السياسية لن تؤيد تجميد النقابة.

وحذر الشريف من أن نظامي مايو بقيادة جعفر نميري ويونيو برئاسة البشير حلا النقابات، ومن ضمنها نقابة المحامين في مايو/أيار 1969 وفي يونيو/حزيران 1989، مما أضر السودان بفقدان مقاعده في اتحادات المحامين الإقليمية والدولية.

وبدأ النشاط العمالي بالسودان في حقبة الاستعمار عام 1908 بأول إضراب لعمال مناشير الغابات للمطالبة بتحسين بيئة العمل وظروفها، ثم تدرج وصولا إلى العام 1947 حيث كانت الشرارة بهيئة شؤون العمال في السكة الحديدية.

وبعدها تم الضغط على المستعمر ليعترف بحق التنظيم النقابي ويصدر أول قانون للعمل والعمال عام 1948، ولائحة تسجيل النقابات لنفس العام، وبذلك اكتسبت الحركة النقابية السودانية شرعيتها واستمدت قوتها لينشأ أول مؤتمر عمالي يوم 18 مايو/أيار 1949.

المصدر : الجزيرة