مصر بعد تعديل الدستور .. انسداد أم انفراجة سياسية؟

يسود اعتقاد على نطاق واسع بأن مرحلة ما بعد التعديلات الدستورية تختلف عما سبقها (الجزيرة)
يسود اعتقاد على نطاق واسع بأن مرحلة ما بعد التعديلات الدستورية تختلف عما سبقها (الجزيرة)

 عبد الكريم سليم-القاهرة

رغم الاعتراضات والانتقادات، مضى النظام المصري بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة بخطى ثابتة نحو مبتغاه، حيث سيبقى الرئيس عبد الفتاح السيسي في السلطة عامين إضافيين فوق مدته الحالية، كما تتيح له الترشح لفترة ثالثة مدتها ست سنوات، ويبسط سلطاته المطلقة على القضاء، كما يقنن سيطرة الجيش على مفاصل الدولة.

ويسود اعتقاد على نطاق واسع بأن مرحلة ما بعد التعديلات الدستورية تختلف عما سبقها، وتسود بهذا الصدد وجهتا نظر متناقضتان، حيث يتوقع سياسيون انفراجة سياسية نتاج شعور السيسي بالارتياح والاطمئنان لبقائه مستأنسا بسياسة الرئيس الأسبق حسني مبارك، لإيجاد متنفس صناعي للسياسة عبر اختلاق معارضة مستأنسة، تمكنه من البقاء كما بقي سلفه.

بالمقابل يتشاءم معنيون بالشأن السياسي معتقدين أن السيسي لن يكرر ما يعتقد أنه خطأ مبارك، الذي سمح بمساحة للمعارضة ظلت تتسع حتى أطاحت به في ثورة شعبية عام 2011، وبناء على ذلك يتوقع هؤلاء أن تشهد مصر مزيدا من القمع، خصوصا مع وضع خارجي وإقليمي داعم للنظام، ومعارضة داخلية هشة ومشتتة، ومخاوف شعبية من الإقدام على احتجاجات تزيد من تعقيدات الوضع الاقتصادي والسياسي. 

‪انصراف الشباب عن التصويت يعتبره معارضون مؤشرا على احتمال اندلاع ثورة في المستقبل‬ (الجزيرة)

أكثر استبدادا
بحسب تقرير لموقع المعهد الفرنسي للشؤون الدولية والإستراتيجية (إيريس) فإن "الإصلاحات الدستورية التي تعزز صلاحيات الرئيس لن تسمح لمصر بالتغلب على التحديات الهيكلية التي تواجه البلاد، وبالتالي فإن موجة جديدة من الاحتجاج يمكن أن تقع".

وقال مدير الدراسات بالمعهد وأستاذ العلوم السياسية ديديه بيون "الأحكام الجديدة التي دعي المصريون للتصويت عليها في المراجعة الدستورية الأخيرة تفرغ آخر إنجازات ثورة عام 2011 من مضمونها".

من جانبه، يرى مدير المعهد الدولي للعلوم السياسية والإستراتيجية ممدوح المنير أن إقرار التعديلات الدستورية بعد "مسرحية الاستفتاء" أدخل البلاد في طور "الجمهورية الثانية" بعد الأولى التي أسسها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وهو طور أكثر وحشية واستبدادا، رغم أن الأطراف الفاعلة واحدة حتى الآن، وعلى رأسها الجيش والإخوان.

ويبدي المنير اعتقادا قويا بأن "المعارضة بتركيبتها الحالية لا تصلح لأن تكون معارضة في دولة تم إغلاق المجال السياسي فيها تماما ولا مساحة فيها لكافة أشكال المعارضة".

وفي حديثه للجزيرة نت توقع المنير أن تظل المعارضة وفق المعطيات الحالية كما هي "معارضة منفى" لاسيما وأن صفقة القرن على الأبواب والسيسي محورها، وعليه فالغرب حاليا ليس لديه استعداد للتخلي عنه".

ويعلق مدير المعهد الدولي للعلوم السياسية والإستراتيجية تغير الأوضاع على إمكانية دخول متغير جديد في الساحة كفشل "صفقة القرن" أو حدوث اضطراب شعبي نتيجة رفع الدعم مثلا، وإلا ستظل الأوضاع مستقرة للنظام.

واستبعد أن يخرج التغيير من داخل النظام، مضيفا "فالذين تنتقص التعديلات من دورهم كالقضاة، لو كانوا يريدون الفعل لفعلوا قبل إقرار التعديلات لمنعها، وليس بعد إقرارها" معربا عن الأسف لقيام السيسي "بهدم مؤسسات الدولة في سبيل بقائه".

بدوره أكد الكاتب الصحفي سليم عزوز أن السيسي سيستمر في الحكم بالقبضة الحديدية، لأنه يعتقد أن الثورة على مبارك كانت بسبب تراخي القبضة الأمنية، وبسبب سماحه بانفراجة في مسار حرية الصحافة والتعبير، وكذلك حرية التظاهر.

وفي مقال له، أكد الكاتب أن السيسي يعتقد أن أي انفراجة من شأنها أن تفتح الطريق لإسقاطه.

ووصف الكاتب الصحفي أنور الهواري الفترة المقبلة عقب الاستفتاء بأنها "دكتاتورية مستقرة تحكم بالحديد والنار ومُحصَّنة بالدستور والقانون حتى ٢٠٣٠".

وطالب الهواري -في تدوينة له بموقع فيسبوك- بجملة مبادرات تتبنى البدائل الديمقراطية لإنجاز الكثير دون "صدام مع الدكتاتورية الحاكمة ودون استسلام لها" داعيا إلى بناء أكثر من بديل ديمقراطي يكون جاهزا لخلافة الدكتاتورية سواء في ٢٠٣٠ أو قبل ذلك أو بعده، بحسب وصفه.

ورغم توقعه باستمرار الاستبداد، فإن الكاتب لم يستبعد حدوث انفراجة سياسية أو ثورة شعبية فـ "كل الاحتمالات واردة، الدكتاتورية وارد تعقل وتعتدل مثلما هو وارد أن تتطرف وتشتط، والشعب وارد يصبر ويحتمل، مثلما (ما) هو وارد أن يغضب وينفجر، مفيش حاجة مضمونة خالص".

المستقبل أفضل
بالمقابل، قال رئيس حزب الغد موسى مصطفى موسى الذي جيء به لمنافسة السيسي بالانتخابات الرئاسية الماضية "المرحلة المقبلة فرصة نحو مستقبل أفضل" وهي أيضا "فرصة لاستكمال إنجازات السيسي".

وأشار موسى في تصريحات تلفزيونية إلى أن التعديلات الدستورية تمنح فرصة للأحزاب "لكي تدخل العمل السياسي بقوة".

بدوره اعتبر المحلل السياسي عبد العظيم حماد أن نتيجة الاستفتاء حركت المياه الراكدة في السياسة المصرية، داعيا المعارضة إلى استغلال هذه النتائج في العمل السياسي والنضال السلمي لمواجهة النظام.

وفي مقال له بعنوان "في أعقاب الاستفتاء.. ثقوب في جدار مصمت" قال حماد "بغض النظر عن النتائج الإحصائية للاستفتاء الشعبي الأخير على التغييرات الدستورية الأقرب إلى الانقلاب منها إلى التعديل، فربما تكون النتيجة السياسية الأهم هي تحريك المياه الراكدة في نهر السياسة المصرية، وبالدرجة الأولى لدى قوى المعارضة حزبية وغير حزبية، ولدى الرأي العام، من قبل ومن بعد".

مبادرات.. انقسامات
لكن يبدو أن دعوة حماد للمعارضة ستجد صعوبات عدة، حيث كشفت دعوة المرشح الرئاسي الأسبق أيمن نور لمئة شخصية بالداخل والخارج -لبدء حوار وطني- عن انقسام حاد بين القوى السياسية رغم الإجماع بين كل المدعوين على خطورة استمرار السيسي على رأس البلاد.

واستهدفت دعوة نور "إنقاذ مصر وتشكيل بديل وطني مقبول داخليا وخارجيا من مختلف التيارات والرموز".

ورغم أن نور أكد أن الدعوة للحوار لا تعني تشكيل تحالف سياسي أو كيان موحد للمعارضة، فإن عددا من المدعوين هاجموها بشدة، وتذرع بعضهم بعدم علمه المسبق، في حين رفض آخرون وجود قيادات من الإخوان في قائمة المدعوين.

واعتبر نور في دعوته أن هناك فرصة كبيرة أمام المعارضة لتوحيد صفوفها بعد انتهاء الاستفتاء على تعديل الدستور، لافتا إلى تنامي حالة الوعي والغضب من ممارسات النظام وسياساته التي تأخذ الجميع نحو الهلاك، على حد تعبيره.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة