شعارات حراك الجزائر.. أكبر من بيان وأشبه بدستور

عياش سنوسي-الجزائر

منذ بدء الحراك الشعبي في 22 فبراير/شباط الماضي، اتخذ الجزائريون لأنفسهم موعدا كل جمعة لتنظيم مسيرات تتجدد فيها مطالبهم عبر شعارات تعكس وعي مَن كتبها وتطالب بالحرية والتغيير، شعارات تتنوع وتتغير مع كل جمعة وتحمل أكثر من دلالة، لتبدو في النهاية كأنها أكبر من بيانات وأشبه بمواد دستور.
 
وعلى اختلاف تعبيراتها، فإن هذه الشعارات هي نفسها تقريبا، سواء في ساحة البريد المركزي أو في ساحة أول مايو أو في باب الوادي بالجزائر العاصمة أو في بقية الولايات (المحافظات)، يرفعها أصحابها بحسب كل حالة وموقف مع تطعيمها بلمسة إبداعية وساخرة مرفقة بصور ورسوم كاريكاتورية.

وفي أول حراك كان الموقف أشبه بالمفاجأة. لم يتوقع كثيرون أن يخرج الآلاف للشارع رفضا للعهدة الخامسة للرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة، لذلك كانت الشعارات واضحة ومحددة على قلتها: "لا للخامسة" و"الشعب لا يريد.. بوتفليقة والسعيد"، و"الجزائر جمهورية ماشي ملكية" (ليست ملكية).

وبعد التيقن من أن الشعب "احتضن" الحراك، رفع المتظاهرون في الجمعة الثانية وما بعدها سقف مطالبهم بشعارات تنادي حينا "سلمية سلمية"، وأحيانا أخرى: "جيش شعب.. خاوة خاوة (الجيش والشعب إخوة إخوة)" و"الجزائر أمانة في أعناقنا" و"لا خوف.. لا رعب.. الجزائر ملك الشعب" و"الجزائر دولة مدنية لا عسكرية".

وعندما استقر بوتفليقة على قرار التنحي لكن بعد سنة إضافية يعلن فيها إصلاحات وينظم رئاسيات لا يترشح فيها، خرجت مسيرات مليونية في جمعة الخامس عشر من مارس/آذار، تندد بالتأجيل والتمديد وتطالب كل النظام بالرحيل بشعار "لا تأجيل لا تعديل.. نطلب منكم الرحيل"، و"معا لطرد الفساد".

واختار مغردون تعميم لافتات كُتب عليها "لا رئيس بالوكالة.. الجزائر فيها رجالة (رجال)"، وشعار "جيش بلادي يا الشجعان.. احمي وطنك من العديان (الأعداء)" و"لن نرحل أنتم من سترحلون".

شباب وكهول من مناطق مختلفة يشاركون بالحراك الشعبي (رويترز)

"يتنحاو قاع"
وبدا واضحا أن بروز الشعارات وتنوعها يأتي دوما ردا على قرارات السلطة القائمة، لذلك جاءت عبارة "يتنحاو قاع" (ليرحلوا جميعا) لتوحد موقف الجزائريين جميعا في الجمعة السادسة.

وجاءت العبارة التي باتت من أبرز شعارات الحراك حتى الآن، ردا قويا على دعوة قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح لتطبيق المادة 102 من الدستور التي تقضي بإقرار شغور منصب رئيس الجمهورية، وطالبوه بتفعيل المادتين 7 و8 من الدستور، حيث كتب أحدهم لافتة "الرقم الذي طلبته (102) لم يعد في الخدمة".

فيما حملت الجمعة السابعة وما بعدها شعارات تمجد الشعب وتقدح في رموز النظام، على غرار شعار "المادة 102 تسقطها المادة 2019" في إحالة للسنة الحالية، و"الشعب هو البطل الوحيد.. أنتم موظفون عند فخامة الشعب"، و"هؤلاء قمامة غير قابلة للرسكلة" (إعادة التدوير) في إحالة لبعض رموز نظام بوتفليقة.

ورد المتظاهرون خلال الجمعة التاسعة على رجال المرحلة الانتقالية بشعارات قوية لا تقبل المهادنة، أبرزها "الفترة الانتقالية لن يقودها بن صالح وحكومة السعيد بوتفليقة (الشقيق الأصغر للرئيس المستقيل).. الفترة الانتقالية حصرية لأبناء الجزائر المخلصين"، بالإضافة إلى "لا 90 يوما ولا 90 دقيقة.. تتنحاو قاع كيما تنحى بوتفليقة" (تتنحون جميعا كما تنحى بوتفليقة).

دعوة المحتجين لتحرك القضاء ومحاربة الفساد (الجزيرة)

كما حملت الجمعة العاشرة والأخيرة -حتى اليوم- دعوة للقضاة بتعجيل فتح ملفات الفساد عبر شعارات واضحة ومحددة: "أيها القاضي.. ما رانيش راضي" (لست راضيا)، و"الجيش وأسلاك الأمن والعدالة في صلب الشعب.. والشعب سلالة الثوار"، و"الشعب يأمر بالتغيير لا بالتدوير" و"لا رجوع حتى نحقق دولة القانون والعدالة فوق الجميع".

بالإضافة للشعارات التي شكلت أكثر من بيان ورد على السلطات القائمة، ولم تخل المسيرات المليونية من رفع شعارات بعضها موجه للخارج، خصوصا فرنسا وأميركا، تحذر من أي تدخل خارجي على غرار شعار "يا فرنسا مضى وقت العتاب" و"ماكرون اهتم بأمك.. الجزائر أكبر منك"، وأخرى تؤكد وحدة الشعب على غرار "شاوي، قبايلي، مزابي، عربي… كلنا جزائريون"، مع شعارات أخرى كتبت بالإنجليزية "عزيزتي الولايات المتحدة ومن معها.. الجزائر ليست شأنكم".

مظاهرة في ساحة البريد المركزي (الجزيرة)

عقل الحراك
ولاحظ الناشط السياسي والأستاذ الجامعي البروفيسور إسماعيل معراف أن "الحراك تطور كثيرا وأصبح ينتج خطابه الخاص حيث يقود اليوم هذه المسيرات شباب جامعي متعلم متتبع للأحداث، وبالتالي فهو يتفاعل مع التطورات التي تحدث في الساحة السياسية ويضع الشعارات التي تحولت في أبعادها ودلالاتها الأبستمولوجية إلى برامج سياسية يمكن اعتمادها كوصفات للخروج من الأزمة".

ويعتقد الأستاذ في جامعة الجزائر أن "هناك حالة وعي أوجدتها وسائط التواصل الاجتماعي، ونجحت إلى حد ما في تثقيف هؤلاء والدفع بهم إلى المشهد السياسي، وجعلهم فاعلين فيه بطريقة فيها الكثير من التأثير بغض النظر عن مستواهم التعليمي".

من جانبه، قال البروفيسور في علم الاجتماع الثقافي يوسف حنطبلي بجامعة البليدة 2 "لنتفق أولا على أن الحراك كانت بدايته مرتبطة بمطلب سياسي معين، وهو رفض جماعي وموحد للعهدة الخامسة، لذلك فإن الحراك ومن خلال عقله الذي يفكر به جعله يلجأ لرد فعل على نشاط القائمين بالسلطة، وهو ما جعل المطالب تتغير وفق الإستراتيجية السياسية. أي بعبارة أخرى فإن الحراك هو عبارة نشاط فردي داخل الجماعة مرتبط بمسيرات ترفع فيها الشعارات وتتنوع وفق استجابة الطرف الآخر".

الشعارات كتبت بلغات مختلفة (الأوروبية)

الجانب الافتراضي
وأضاف: "يجب ألا نغفل الجانب الافتراضي في هذه الشعارات، ذلك لأن مواقع التواصل الاجتماعي -وفيسبوك على وجه التحديد- شكلت خلفية ثقافية وإعلامية لهذا النوع من النشاط حتى ما قبل بدء الحراك الشعبي في 22 فبراير/شباط الماضي. فقد جرى تهيئة الحراك الشعبي بصياغة لغوية معينة من خلال الفضاء الأزرق الذي كان متنفسا أو فضاء لهذا التعبير الحر. بعد انطلاق شرارة الحراك الشعبي تحول النشاط الحراكي في الواقع الافتراضي إلى واقع مجسد ميدانيا، وكأن الفيسبوك تحول من فضاء افتراضي إلى واقع اجتماعي فأصبح الشارع بمثابة جدارية فيسبوكية تتحرك". 

الجزائريون بدؤوا حراكهم منذ 22 فبراير/شباط الماضي (الأوروبية)

وقدم الأستاذ في جامعة البليدة 2 ملاحظات حول الشعارات: "الملاحظة الأبرز في هذه الشعارات التي برزت خلال هذا الحراك أنها ليست شعارات جماهيرية أو جماعية، بل هي شعارات فردية تعبر عنها الجماهير. فالفيسبوك سمح ببروز الفرد داخل الجماعة أو الجمهور، وحوّله من فرد يعبر عن رأيه بطريقة ذكية داخل الفضاء الافتراضي إلى مجموعة أفراد تعبر بصوت جماعي أو جماهيريا إن صح التعبير".

وأضاف: "الملاحظة الأخرى هي أن هذا الحراك شكل عملية تثقيف سياسي للجماهير، إذ كان وسيلة تنشئة سياسية للأفراد لمعرفة طبيعة التحديات السياسية، ففي كل مسيرة يعرف فيها الفرد طبيعة المطالب التي ترفع من خلال الشعارات وكيفية صياغتها، وهو ما مكن الجزائريين خلال هذا الحراك من امتلاك معرفة واسعة بمصطلحات قانونية وسياسية داخل إطار تنشئة سياسية واضحة".

المصدر : الجزيرة