لوموند: الجزائر حين يشعر كبار السن فجأة بأنهم شباب

أوليفيه رولين: ما نجح فيه الحراك الجزائري هو امتلاكه الفضاء العام (رويترز)
أوليفيه رولين: ما نجح فيه الحراك الجزائري هو امتلاكه الفضاء العام (رويترز)

يسرد الكاتب الفرنسي أوليفيه رولين الحائز على جائزة غونكور تفاصيل رحلة قادته عبر مختلف مدن الجزائر خلال عشرة أيام دون أن يختلط بالمسيرات عن قصد، مسجلا انطباعاته عن مجتمع قال إنه يطمح إلى أن يولد من جديد.

وقبل أن يدخل الكاتب في قصته التي نشرتها صحيفة لوموند، استعرض حديثا عابرا مع مهندس يدعى حسين كان يرافقه، قال له فيه "نحن الجزائريون، بربر وعرب وإسبان وفرنسيون ويهود ورومان ومتوسطيون"، ليشير إلى التعدد الذي يطبع الجزائر.

عميل مدسوس
وأوضح رولين أن الشهادة التي سيقدمها عن الجزائر لن تكون وافية لأنه لم يمض في الجزائر، التي أثارها الحراك السلمي، إلا عشرة أيام فقط، ولم يقابل إلا المثقفين تقريبا، لأنه تجنب الاختلاط مع الحشود المتظاهرة، لا رغبة في ذلك ولكن اتباعا لتوصيات مضيفيه الفرنسيين، الذين برروا ذلك بأنه من السهل اتهام أي أجنبي خاصة إذا كان فرنسيا بأنه يزرع الفتنة بين أبناء الشعب.

ولذلك، يرى أنه كان من السهل اعتباره عميلا متسللا ويدا من أيدي الأجانب، ومع ذلك يقول إنه رأى الآلاف من المتظاهرين يوم الجمعة يتجمعون في ساحة الثورة في عنابة تحت المطر وقد التصق العلم الجزائري بأجسادهم من البلل.

وقال الكاتب إن عبارة "نحن لا نعرف تاريخنا" تتردد كثيرا في الجزائر، واستنتج من ذلك أن هناك رغبة، لا في التخلص فقط من "النظام" بل للتخلص من روايته للأحداث الوطنية التي يسخرها لجعل الشعب ينقاد لما يريده.

 

الشارع في الجزائر تهيمن عليه عناوين وإعلانات كلها فرنسية، كما أن لافتات المتظاهرين نصفها بالفرنسية (الجزيرة)

دولة تولد
وقال رولين إن ما نجح فيه الحراك هو امتلاكه الفضاء العام، بما في ذلك إمكانية لقاء الشباب هناك، وأبدى أمله في أن يكون تفاؤله في محله، وقال إنه مرتاح لرؤية طلاب المدارس الثانوية مختلطين يشغلون فناء المدينة.

وأشار بصورة عابرة إلى كاتب جزائري يدعى الأزهري الأبتر من جيل أقدم من شباب الحراك، وهو صحفي كتب عن احتلال الفرنسيين للأغواط والمجازر التي تلت ذلك، ولكنه مع ذلك متحمس لرسوم المستشرق يوجين فرومنتين.

واعتبر الكاتب أن هذا الصحفي الكاتب يعبّر عن التنوع ويجسد هذه الجزائر الجديدة التي تسعى إلى أن تولد، والتي يشعر فيها حتى كبار السن فجأة بأنهم شباب.

وتوقف الكاتب عند اللغة، وقال إن اللغة الإنجليزية تملأ شوارع باريس وتحتل اللافتات والإعلانات فيها، في حين أن الشارع في الجزائر تهيمن عليه عناوين وإعلانات كلها بالفرنسية، كما أن لافتات المتظاهرين المرفوعة في الاحتجاجات مقسومة نصفين بين الفرنسية والعربية، وحتى لغة التخاطب العربية تتخللها كثير من العبارات والكلمات الفرنسية.

مكمن اللصوص الأربعمئة
وعرج الكاتب على موضوع الفساد، وقال إن كل الناس الذين قابلهم يبدو لهم أن فساد النظام لا يعرف الحدود، إذ إنه لا يوجد جسر ولا طريق سريع ولا تجارة مستحضرات ولا تهريب مخدرات إلا وهي مرتبطة بفضائح رشوة أو محسوبية وإفلات من العقاب.

وقال رولين إن أحد مرافقيه أشار له بالإصبع قائلا "إليك مكمن الأربعمئة لص"، يعني مبنى البرلمان بالجزائر العاصمة، وقال إنه يتحفظ عن مثل هذا القول إلا عن البرلمان حيث يطمح الناس إلى القليل من الأمانة.

وقال إن هذا الرفض للمال غير الأخلاقي هو ما يوحد ملايين المتظاهرين، مع الشعور بالإهانة من قبل السلطة، مشيرا إلى أن الحراك الجزائري يحيي -بما فيه من تنوع بشري نادر- أمل الحالمين بالأخوة على جانبي البحر المتوسط.

المصدر : لوموند