مئات الوفيات والمرضى.. ضحايا النظام الانتخابي في إندونيسيا

عاملون في التحضير للانتخابات في فترة استراحة بعد عمل مرهق لساعات طويلة
عاملون في التحضير للانتخابات في فترة استراحة بعد عمل مرهق لساعات طويلة (رويترز)


 صهيب جاسم-جاكرتا

خلت الانتخابات التي جرت في إندونيسيا قبل عشرة أيام من وقوع أي أعمال عنف، لكن ثمة ضحايا بين القائمين على عمليات الفرز من موظفي مفوضية الانتخابات وهيئة مراقبة الانتخابات، وحتى رجال الشرطة حيث توفى المئات منهم بسبب الإجهاد.
 
وطبقا للإحصاءات الرسمية بلغ عدد المشرفين والمراقبين الذين توفوا خلال الأيام العشرة الماضية 326 شخصا، إضافة إلى نحو 1700 آخرين نقلوا إلى المستشفيات بعد تردي حالاتهم الصحية بسبب الإجهاد والعمل المتواصل في ظل ضغوط نفسية والخوف من أن يتهموا بالتقصير.

ويبدو أن هذا العدد مرشح للزيادة خصوصا وأن عمليات الفرز لا تزال متواصلة في 7200 بلدية، وقد تمتد طيلة الأسابيع الثلاثة المقبلة في 514 محافظة ومدينة موزعة على 34 إقليما، قبل الإعلان الرسمي عن النتائج بعد إكمال الفرز الورقي يوم 22 مايو/أيار المقبل.

بحكم الجغرافية الإندونيسية الممتدة على 7000 جزيرة مأهولة يتم نقل صناديق الاقتراع بشكل مرهق ولمسافات طويلة (رويترز)
بحكم الجغرافية الإندونيسية الممتدة على 7000 جزيرة مأهولة يتم نقل صناديق الاقتراع بشكل مرهق ولمسافات طويلة (رويترز)

ومن بين ضحايا الإجهاد رودي موليا برابوو، أحد المشرفين على اللجان الانتخابية بشرقي جاكرتا، الذي ظل يعمل لأيام دون راحة ولا يريد الابتعاد عن الصناديق التي تضم أوراق اقتراع مواطني الحي الذي يسكن فيه، والذي ظل يشرف على الاقتراع فيه خلال ثلاثة مواسم انتخابية متتالية، لكنه شكا الإرهاق وبدأت حالته الصحية بالتدهور، ووافاه الأجل بعد الانتخابات بأيام.
 
أما مريدة (26 عاما) فقد كانت حاملا في الشهر الثامن، لكنها صممت على الاستمرار في الإشراف على الإحصاء في اللجان الانتخابية ببلدية لابوهان حاجي الغربية بمحافظة آتشه الجنوبية، وظلت تعمل بشكل متواصل خلال الأيام التي تلت يوم الاقتراع.

وحسب ما روي عن حالتها، فقد أرهقتها عمليات الفرز وإحصاء الأصوات، فتدهورت صحتها، نقلت بعدها إلى المستشفى، وبعد يومين من تلقي العلاج توفيت أمس وكتب الله الحياة لجنينها الذي أجرى الأطباء له عملية قيصرية في اللحظات الأخيرة لإنقاذه.

‪موظفو الانتخابات مكلفون بفرز 770 مليون ورقة اقتراع مما يشكّل مهمة مرهقة‬ (الأناضول)
‪موظفو الانتخابات مكلفون بفرز 770 مليون ورقة اقتراع مما يشكّل مهمة مرهقة‬ (الأناضول)

أرقام ومراجعات
المشهد الانتخابي في إندونيسيا هذا العام بدا ضخما بصورة غير مسبوقة في تاريخ البلاد، حيث جرت الانتخابات الرئاسية والتشريعية في يوم واحد، بمشاركة نحو 155 مليون ناخب بلغت نسبتهم 80% من إجمالي عدد الناخبين البالغ 193 مليون ناخب موزعين على 813 ألف مركز اقتراع مقارنة بـ546 ألف مركز اقتراع في الانتخابات الماضية التي جرت قبل خمسة أعوام.
 
أما عدد موظفي ومراقبي اللجان الانتخابية فبلغ نحو سبعة ملايين، مهمتهم فرز نحو 770 مليون ورقة اقتراع، فلكل ناخب خمس أوراق اقتراع لاختيار الرئيس ونائبه وممثلين في البرلمان ومجلس الشيوخ والمجالس التشريعية للمحافظات والمدن والأقاليم، باستثناء سكان جاكرتا فلهم أربع بطاقات اقتراع فقط.

وهي المرة الأولى في تاريخ البلاد التي تجمع فيها كل تلك الاستحقاقات الانتخابية في يوم واحد، وقد اشتكى كثير منهم من الحمل الثقيل الذي تحملوه لا سيما خلال عملية الإحصاء في البلديات حيث تجمع صناديق الاقتراع من الأحياء والقرى المحيطة ويعاد فرزها للمرة الثانية.
 
ومع ارتفاع أعداد الوفيات والمرضى بين هؤلاء الموظفين، وعدت وزيرة المالية سري مولياني بتعويض أسر الضحايا، كما تحدث رئيس مفوضية الانتخابات عارف بوديمان عن تعويضات قدرت بـ2500 دولار لكل أسرة من أسر ضحايا المتوفين وللمرضى، كما وعدت جهات حكومية محلية أخرى بمنحهم تعويضات إضافية.
 
هذه الكلفة البشرية للانتخابات دفعت للدعوة إلى مراجعة النظام الانتخابي وتعديله، وأقرّ رئيس مفوضية الانتخابات عارف بوديمان بأن تزامن الانتخابات التشريعية والرئاسية أمر مرهق، وبأن هناك حاجة لتقييمها ومراجعتها.

مشاركة في حملة انتخابية للرئيس جوكوي أصيبت بإغماء بسبب الحر والإجهاد (غيتي)
مشاركة في حملة انتخابية للرئيس جوكوي أصيبت بإغماء بسبب الحر والإجهاد (غيتي)

وأوضح أنه كان على مشرفي اللجان الانتخابية العمل حتى صباح اليوم التالي دون توقف حتى انتهاء مراحل معينة من الفرز والإحصاء، وقد تحدث غيره من مسؤولي المفوضية عن ضرورة الاكتفاء بهذه التجربة لمرة واحدة فقط وعدم تكرارها.

ويوافق عارفَ الرأي مسؤولون في وزارة الداخلية وأعضاء في البرلمان، الذين توقعوا مراجعة قانون الانتخابات وتعديل مواد كثيرة فيه، كذلك تقييم التجارب الانتخابية خلال عقديين ماضيين.

ومن بين الآراء المطروحة في هذا الصدد جمع الانتخابات الرئاسية مع انتخاب أعضاء البرلمان المركزي ومجلس الشيوخ في موسم واحد، ويفصل عن ذلك بعد عامين ونصف العام انتخاب أعضاء المجالس التشريعية المحلية وهي أكثر عددا.
 
من جانبه طرح اتحاد المثقفين المسلمين الإندونيسيين مجددا فكرة الاقتراع الإلكتروني ليكون خيارا يمكن الإعداد له للانتخابات المقبلة في العام 2024، لا سيما مع إقرار ميزانية قاربت 1.8 مليار دولار لهذا الموسم الانتخابي، مما يعني إمكانية توظيف مثل هذه المخصصات لوضع الأسس التقنية للاقتراع الإلكتروني.

المصدر : الجزيرة