تبرعات من الأموات.. تقرير رقابي يفضح الأحزاب في تونس

جانب من عملية الاقتراع بانتخابات 2014 (رويترز)
جانب من عملية الاقتراع بانتخابات 2014 (رويترز)

آمال الهلالي-تونس

فجّر تقرير حكومي نشرته دائرة المحاسبات عن نتائج مراقبة تمويل الحملة الانتخابية لعضوية المجالس البلدية في تونس لسنة 2018، جدلا بين الأوساط الحزبية والشعبية لما تضمنه من خروق مالية.

وأوضح التقرير أن 138 قائمة انتخابية مترشحة لم تقدم حساباتها المالية لدائرة المحاسبات في الآجال القانونية، منها 80 قائمة مستقلة و43 حزبية و15 ائتلافية.

وشمل التقرير الذي اطلعت عليه الجزيرة نت، قوائم حزبية ومستقلة ارتكبت تجاوزات خلال الانتخابات البلدية، من بينها نداء تونس، وحركة مشروع تونس، وآفاق تونس، والجبهة الشعبية، وحراك تونس الإرادة، وحركة النهضة.

وقررت دائرة المحاسبات على ضوء ارتكاب القوائم الحزبية مخالفات ترتقي إلى الجرائم، إسقاط عضوية 84 قائمة من بينها 28 حزبية تشمل نداء تونس وآفاق تونس مشروع تونس والجبهة الشعبية، و44 قائمة مستقلة.

وأوضح التقرير أن 170 قائمة مترشحة قدّمت كشوفا بنكية لا تغطي كامل الفترة الانتخابية ولا تتضمن جميع العمليات البنكية المنجزة، مما من شأنه أن يحدّ من شفافية تمويل حملتها الانتخابية.

موتى يتبرعون
وكشفت دائرة المحاسبات عن تلقي حركة النهضة خلال الانتخابات البلدية تبرعات من متعاطفين مع الحزب على مدى سنوات 2016 و2017 و2018، بلغت قيمتها حوالي 12 ألف دينار (نحو 4000 دولار) من 68 شخصا تبين أنهم متوفون.

وسارعت حركة النهضة للرد على ما جاء في تقرير دائرة المحاسبات من اتهامات للحركة بالإخلال بنزاهة وشفافية العملية الانتخابية.

وأكد الناطق الرسمي باسم الحركة عماد خميري أن ما ورد في تقرير دائرة المحاسبات يعد "أخطاء نسبية" ارتكبتها الحركة ولا ترتقي لجرائم من شأنها أن تسقط قوائمها الانتخابية.

وأوضح للجزيرة نت أنه من جملة 84 قائمة انتخابية تم إسقاطها بموجب تقرير دائرة المحاسبات، لا توجد منها أي قائمة تنتمي للنهضة، رغم مشاركة الحركة في 350 بلدية بكامل محافظات البلاد.

خلال الندوة الصحفية التي عقدتها حركة النهضة للرد على ما جاء في تقرير دائرة المحاسبات (الجزيرة)

وأضاف أنه "من جملة 135 ألف تبرع للحركة نجد 68 حالة تشوبها بعض الأخطاء وذلك يعود لعملية تنزيل أرقام بطاقات تعريف المتبرعين التي تتم بشكل يدوي".

عرف وتقليد
من جهته قال عضو مجلس شورى الحركة زبير الشهودي إن ما تضمنه تقرير دائرة المحاسبات يحتوي على بعض الأخطاء الإجرائية التي تتحمل مسؤوليتها الحركة، ولكنه شدد بالمقابل على أن تبرع بعض من ذوي المتوفين باسمهم هو تقليد داخل الحركة.

وأضاف للجزيرة نت "هو جزء من الوفاء والالتزام لبعض المنتمين للنهضة من الآباء والأبناء لخدمة الحزب أحياءً كانوا أم أمواتا حيث يكتسي طابعا خيريا يقدم على شكل صدقات جارية".

وسارعت وجوه محسوبة على الحركة للرد على ما جاء في تقرير دائرة المحاسبات، وتبرير ما نشر حول تبرع متوفين للحركة.

ودوّن رضوان مصمودي عبر صفحته على فيسبوك "عندما يتوفّى رجل أو امرأة مسنة وبعد أن كان مناضلا أو منتميًا أو متعاطفًا مع حركة النهضة لمدة عشرين أو أربعين عامًا، فعادي جدًّا أن يضع في وصيّته تبرّعًا لفائدة الحركة وأن يقوم ورثته بتسليم هذا المبلغ بعد وفاته..".

تثمين وتحذير
من جانبه، ثمن النائب عن الكتلة البرلمانية لنداء تونس رمزي خميس في تصريح للجزيرة نت ما جاء في تقرير دائرة المحاسبات، مؤكدا أن حزبه سيتدارس الإخلالات التي وجهت لقوائمه البلدية وسيتفاعل بإيجابية مع فحواها.

ووصف بسام معطر نائب رئيس الجمعية التونسية من أجل نزاهة وديمقراطية الانتخابات "عتيد" تقرير دائرة المحاسبات بـ"المفزع"، لافتا في تصريح للجزيرة نت إلى أن توقيت نشره يأتي بشكل متأخر بعد نحو سنة من إجراء الانتخابات البلدية.

بسام معطر وصف التقرير بـ"المفزع" (الجزيرة)

وشدد على أن "هذا التأخير من شأنه أن يؤثر على طبيعة الأحكام الصادرة والمترتبة عن الإخلالات المرتكبة، مما سينعكس على تركيبة المجالس البلدية المنتصبة منذ نحو سنة، خصوصا في ظل قرارات تقضي بإسقاط القوائم المخالفة".

ولفت إلى أن التقرير أظهر قصورا واضحا على مستوى صرامة القوانين ومؤسسات الدولة، في مقدمتها البنك المركزي، على مستوى تعاونها الجاد في تتبع المال السياسي والكشف عن مصار تمويل الأحزاب والمستقلين.

وأكد معطر أن الانتخابات التي شهدتها البلاد من 2014 إلى حدود 2018 كانت "نصف نزيهة ونصف شفافة"، لافتا بالمقابل إلى أهمية التقرير وجرأته في فضح تجاوزات الأحزاب، مما من شأنه أن يقضي على ثقافة الإفلات من العقاب في المحطات الانتخابية القادمة.

وأثنى على حيادية دائرة الحسابات بوصفها جهازا رقابيا حكوميا في تعامله مع جميع الأحزاب والمستقلين على المسافة نفسها سواء كانوا في الحكم أو في المعارضة.

وخلص إلى أن التقرير يعد إنذارا لجميع الأحزاب التي تستعد لخوض الانتخابات التشريعية والرئاسية بضرورة توخي النزاهة والشفافية على مستوى تمويل حملاتها الانتخابية.

المصدر : الجزيرة