"صاحبة المكنسة".. لحراك الجزائر أُمٌّ تحميه

"صاحبة المكنسة".. لحراك الجزائر أُمٌّ تحميه

فاطمة حمدي-الجزائر

بلباس"الحايك" التقليدي العاصمي، الذي اشتهرت به نساء ثورة التحرير زمن الاستعمار الفرنسي للجزائر، تحمل الخالة زهية مرزوق مكنسة وهي تتقدم الصفوف الأولى للمحتجين وتبدأ برفع الشعارات المناهضة للنظام القائم في البلاد.

أصبحت الخالة زهية أحد الرموز التي يلتف حولها المتظاهرون في كل مرة، لما لهذه السيدة من قوة وشجاعة وإصرار على إيصال صوتها المتألم لحال وطنها، حسب ما روته للجزيرة نت.

تقطع الخالة زهية -وهي في عقدها السادس- مسافات طويلة مشيا نحو قلب العاصمة للالتحاق بركب المحتجين مردّدة شعار "الشعب يريد تتنحاو قاع" (تتنحون جميعا).

رصدت كاميرا "الجزيرة نت" الخالة زهية وهي تدخل وسط اشتباك سابق بين المحتجين وقوات الأمن، ووسط جو تزدحم فيه الحجارة والغازات المدمعة، تصرخ في وجه الشرطي وتعود لترفع مكنستها نحو متظاهر يصر على كسر الحاجز الأمني نحو القصر الرئاسي.

تشعر بمسؤولية تجاه الحراك، تقول إنها تُعلي مصلحة الوطن على الجميع، ترد على من يتساءل عن سر شجاعتها ودخولها وسط الاشتباك قائلة "عشت زمني ومستعدة للاستشهاد من أجل أن يعيش الجيل الجديد من الشباب في وطن آمن، لا أريد أن يعيش أبناء وطني في العنف".

زهية تطارد بعض الذين أصرّوا على كسر حاجز الشرطة للذهاب نحو قصر الرئاسة (الجزيرة)

تتمسك "صاحبة المكنسة" بمبدأ سلمية الحراك، واستطاعت أن تفرض احترامها على المتظاهرين، تقف وسطهم بمكنستها التي ترمز لـ"تطهير البلاد من رؤوس الفساد" -على حد تعبيرها- تصرخ "كليتو البلاد" ويردد الآلاف خلفها "يا السراقين".

يحرص المتظاهرون الشباب على أخذ صورة تذكارية معها، فيرى سفيان (21 عاما) أحد المعجبين بشجاعتها أن "الخالة زهية تمثل المرأة الجزائرية الحرة التي تعرف كيف تعبر عن مطالبها وكيف تكون سندا حقيقيا للرّجل في المليونيات".

ويشبهها الطالب علي (24 عاما)، وهو يقبل رأسها بـ"المجاهدات اللاتي صنعن الفرق في ثورة التحرير"، تدمع عين هذه المرأة التي تعتبر كل من في الاحتجاجات أبناءها " تقول " حرمت من الأمومة فوهبني الحراك ملايين الأبناء ينادونني .. يما (أمي)".

ولا ينسى المتظاهرون الطلبة موقف الخالة زهية التي وقفت في احتجاجاتهم بين مدفع الماء الذي وجّه نحوهم رفعت مكنستها عاليا، وردّدت "والله لن يتبلّل أحد من أبنائي قبل أن أتبلل أنا"، وقتها تراجعت شاحنة الشرطة للخلف في مشهد يصفه علي بالإنساني الذي سيظل راسخا في ذاكرته.

هذا الشاب لا ينسى وقفة الخالة مع الطلبة أمام مدفع الماء (الجزيرة)

حملت الخالة زهية علبة "زبادي" بيمناها ومكنستها باليسرى وانتقلت إلى محكمة سيدي امحمد بقلب العاصمة، انتظارا لرئيس الحكومة الأسبق أحمد أويحيى حين صدرت مذكرة التحقيق معه في قضايا فساد.

تقول "أردت أن أردّ على تصريحاته السابقة حين استكثر الزبادي على الشعب، رغبت أن يعلم أن الجزائر ستدخل في عهد ألذ من الزبادي.. عهد الحرية". بتعبيراتها البسيطة تواصل "صحيح أن أويحيى لم يحضر يومها ولكن مكنستي طالت محاميه الذي ستنقل كدماتي كل ما أردت قوله لموكله".

تشير "خرجت للحراك من أجل الشباب الذي ركب أمواج الموت فارا من الوضع الصعب في وطنه، خرجت من أجل شاب درس ولم يجد العمل، وما دفعني للتظاهر يوميا هو رؤية الشباب (الباعة المتجولين) وهم يحملون السلعة (تجارتهم البسيطة) على ظهورهم فارين من مطاردات النظام الذي لم يخلق لهم بدائل".

تحكي الخالة زهية عن اعتقالها مؤخرا، بعدما انتقلت لتحتج في وجه والي العاصمة المقال عبد القادر زوخ تقول "حين سمعت بوقوع عمارة في القصبة ثرت ونزلت لأوصل كلمتي له".

وتواصل "تم يومها اعتقالي ساعتين ولكني عوملت جيدا من قِبل رجال الشرطة الذين لم يكفوا عن مناداتي بأمي وحرصوا على أن أكون مرتاحة ثم أطلق سراحي بعدما هدأ الوضع في القصبة بقلب العاصمة".

الخالة زهية مصرة على مواصلة الحراك حتى تتحقق أهدافه كاملة (الجزيرة)

بدأت قصة الخالة زهية قبل سنوات، حين كانت تعيش في منزلها المتواضع بمنطقة بوزريعة بأعالي العاصمة الجزائر، كانت تربي وقتها عشرات القطط أو كما تحب أن تكون دقيقة 35 قطا، تبكي الخالة بحرقة لفقدانها، بعد أن هدم بيتها الذي صنّف هشّا (خطرا).

تقول للجزيرة نت "عشت طوال حياتي وحيدة استأنست بقططي التي ربيتها ليأتي قرار هدم البيت على رؤوسنا لنجد أنفسنا مشتتين بين ليلة وضحاها"، تعيش الخالة زهية اليوم بين أحبابها وأقاربها الذين يحتضنونها منذ أربع سنوات في انتظار منحها منزلا عوضا عن منزلها المزال.

تسارع الخالة زهية لإسعاف المتظاهرين الذين يتعرضون للإغماء في المليونيات، وتنسى ألمها وتنهمك في "مخاض الوطن" تريده يسيرا وتطمح لأن يكون الحراك بردا وسلاما على الجزائر.

المصدر : الجزيرة