هجوم حفتر على طرابلس.. كيف فقدت باريس توازنها؟

نظم ماكرون قمة جمع فيها بين حفتر والسراج (رويترز)
نظم ماكرون قمة جمع فيها بين حفتر والسراج (رويترز)

نشرت صحيفة لوموند الفرنسية مقالا طويلا لثلاثة من كتابها عن العلاقة المتناقضة لباريس بأطراف الصراع في ليبيا، وأسباب انزلاق فرنسا في هذه العلاقة، وأوردت سردا يوضح كيفية هذا الانزلاق.

وقالت الصحيفة إن اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر أحيا الحرب الأهلية في ليبيا وأعاد الفوضى مرة أخرى بقيادته "انقلابا" أوائل الشهر الجاري عندما انطلق بجيشه من جنوبي البلاد إلى العاصمة طرابلس ليحتلها.

وتساءلت: هل تعود الفوضى بالفعل إلى ليبيا؟ محملة فرنسا الخطأ على لسان رئيس حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا فائز السراج، الذي قال للوموند إن الدعم غير المتناسب من فرنسا لحفتر هو ما شجع الجنرال ليقرر ترك العملية السياسية وينتهي به المطاف بمهاجمة طرابلس.

معرفة قديمة
وأشارت الصحيفة إلى أن الدعم الفرنسي القوي لحفتر سببه خطاب الأخير حول أولوية ما سماه تعقب "الإرهابيين".

وكانت الفترة المظلمة التي دخلتها ليبيا بعد اغتيال السفير الأميركي في بنغازي عام 2012، قد أدت إلى انتشار السلاح والفوضى في المنطقة عموما، وخاصة في مالي، حيث أطلقت فرنسا عملية "سرفال" ضد القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

عندها -تقول الصحيفة- شعرت السلطات الفرنسية بالقلق من انتشار الفوضى في جميع أنحاء أفريقيا، ونقلت شعورها إلى مجموعة الثماني في يونيو/حزيران 2013 في أيرلندا، إلا أن موسكو بدت غير قلقة من تدهور الوضع، كما أن واشنطن رغبت بالبقاء بعيدا عن القضية.

وخلص الغربيون حينها -كما تقول الصحيفة- إلى أنهم لم يعودوا قادرين على جلب قواتهم على الأرض بعد أن فوتوا الفرصة عام 2011، وبالتالي أعلنوا عجزهم عن تزويد الحكومة الليبية المؤقتة بالوسائل اللازمة لتأمين نفسها، ورضخوا للواقع وتركوا المتشاكسين يؤسسون قواعد اللعب من تلقاء أنفسهم، واكتفت فرنسا بتدريب مئات من رجال الدرك الليبيين في طرابلس.

خوف من العدوى
بدت السلطات الفرنسية منقسمة عام 2014 -حسب الصحيفة-، إذ لعب وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان ووزارته بطاقة حفتر، ورأوا فيه حلا لمنع تجزئة البلاد، غير أن وزير الخارجية آنذاك لوران فابيوس ووزارته كانا مترددين لأن الجنرال يجسد بالنسبة لهم ثورة مضادة أكثر من أمل في الوحدة.

قوات تابعة لحكومة الوفاق في العاصمة طرابلس (الجزيرة)

وقد أثار مدير الاستخبارات العسكرية الفرنسية الجنرال كريستوف غومارت مخاوف الحكومات الغربية بإعلانه أن نحو مليون مهاجر سيكونون مستعدين لعبور البحر الأبيض المتوسط من ليبيا، مما أدى في النهاية إلى اتفاق الصخيرات بالمغرب الذي جاء بالسراج رئيسا لحكومة الوفاق الوطني.

غير أن حفتر الذي يرفع راية الحرب على الإرهاب أمام أعين الغرب، لم يكن مرحبا بهذا الاتفاق –حسب الصحيفة- وقد نال السراج وحكومته الشرعية الدولية رغم تقييد عملهما بسبب البرلمان في طبرق.

ويقول الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند إنه كان حريصا دائما على اعتبار السراج السلطة الشرعية الوحيدة المعترف بها دوليا، كما أن بلاده دعمت الجنرال حفتر في معركته ضد الإرهاب، ومع ذلك، فإن فرنسا هي الدولة الغربية الوحيدة المراهنة على الجنرال المرهق والمدعوم أيضا من قبل الروس.

حرب فرنسا السرية
ووفق الصحيفة، لم تكن فرنسا هي الوحيدة في الرمال الليبية، فالجميع حاضرون، فرنسيون وبريطانيون وإيطاليون وأميركيون، كما يقول مصدر عسكري، ولكن بعد انتخاب إيمانويل ماكرون، فقد أراد أن يجعل القضية الليبية شعارا لسياسة خارجية "تحمي" الفرنسيين من الهجرة غير المنظمة ومن الإرهاب، حيث تتمتع فرنسا برؤية إقليمية، لا سيما فيما يتعلق بمنطقة الساحل وليبيا.

ورأت الصحيفة أن ماكرون تأثر برأي وزير خارجيته لودريان الذي زار ليبيا أربع مرات منذ عام 2017، والذي ظل دائما مقتنعا بأن حفتر لا يزال من غير الممكن تجنبه.

وقد أعدت فرنسا قمة جمعت فيها بين الزعيمين المتنافسين حفتر والسراج، وأشاد ماكرون بالإعلان المشترك الذي لم يوقعه حفتر ولا السراج باعتباره "خريطة طريق للمصالحة الوطنية"، كما قالت الصحيفة.

وفي الربيع التالي، بينما جلبت فرنسا لحفتر دعما حاسما "لتحرير درنة من الجهاديين"، حسب وصف الصحيفة، جمع قصر الإليزيه الفرقاء الليبيين، وتم اعتماد خريطة طريق جديدة غير ناجحة، وتلا ذلك فشل آخر في باليرمو بإيطاليا.

ويؤكد الفرنسيون أنه لم يتم إعلامهم بالهجوم على طرابلس وأنهم لا يد لهم فيه، ويقول مصدر دبلوماسي في باريس إن حفتر لم يستمع إلى التحذيرات التي قدمتها باريس، وإنه تلقى التشجيع من عواصم وجهات أخرى كالقاهرة وربما المخابرات المركزية الأميركية (سي آي أي).

المصدر : لوموند