الفلسطينية أم أيمن.. "حارسة الجبل" تترجل

بثباتها وقوتها حازت الراحلة لقب حارسة الجبل وسيدة الأرض (مواقع تواصل)
بثباتها وقوتها حازت الراحلة لقب حارسة الجبل وسيدة الأرض (مواقع تواصل)


عاطف دغلس-نابلس

على غير عادتها، ترجلت حنان صوفان "أم أيمن" عن الجبل، ليس خوفا أو هروبا من المستوطنين المتطرفين، إنما استجابة للقدر الذي غيَّب أمس "حارسة الجبل" -كما يطلق عليها- وصعق برحيلها كل من عرفها أو حتى سمع عنها.

قبل شهر، ألمّ المرض بأم أيمن، ولم يمهلها طويلا لتفارق الحياة ولما تنهي العقد السادس من عمرها الذي قضت جله مدافعة عن أرضها ومنزلها، وفي سبيل ذلك "تموت" كل يوم وهي على قيد الحياة.

لم تعتد الخروج من منزلها الرابض منفردا بسفح جبل سلمان الذي يحتله المستوطنون في قريتها بورين قرب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، ولم تملّه حتى بأحلك الظروف وأشدها عندما أحرقه المستوطنون فوق رأسها وعائلتها.

وبهذا الثبات حازت لقبي "حارسة الجبل، سيدة الأرض" كعناوين ومسميات اتصفت بها، فانهالت عليها وسائل الإعلام محليا وعالميا للوقوف على معاناتها، وكانت الجزيرة نت واحدة منهم.

منزل أم ايمن وفي الأعلى تظهر مستوطنة يتسهار (الجزيرة)

بعد عام 2000 بدأ مسلسل العنف الذي أعده مستوطنو "يتسهار" -وهي واحدة من ثلاث مستوطنات تحتل أراضي بورين- عبر سيناريوهات متعددة، تجسدت بالاعتداء المباشر عليها وعلى عائلتها بمهاجمة المنزل ورشقه بالحجارة وخط شعارات عنصرية على جدرانه.

إضافة لقطع الأشجار وقتل المواشي خاصتها وحرق المحاصيل الزراعية، أما السيناريو الأصعب فكان "بقتل" المستوطنين لزوجها بعد إصابته بجلطة إثر اعتداء "شرس" شن ضدهم.

شوكة بحلقهم
وككل مرة تصمد أم أيمن وتتصدى بكل قوتها متحدية المستوطنين، غير آبهة بعددهم وعتادهم، حتى أضحت شوكة بحلقهم، فيشنون اعتداءاتهم خلسة تحت جنح الظلام.

وأمام هذا كله، صمدت الحاجة الفلسطينية ورفضت هجر منزلها والانتقال للعيش بالقرية، وكانت ترد -كما يقول نجلها البكر أيمن- "بزراعة المزيد من الأشجار والمحاصيل المختلفة". ورغم ذلك، أحصت عائلتها ووثقت أكثر من أربعمئة اعتداء ارتكبه المستوطنون بحقها، بحرق المنزل والمركبات مرات عدة، وقلع الأشجار وقتل خمسين رأسا من الماشية عبر دس السم لها ودواب أخرى.

ويضيف "قبل موتها بأيام غرست أشتال الزعتر البلدي وشجرة عنب" وحتى بموتها لم تسقط أم أيمن الأرض من حساباتها، فتلفظت بآخر كلماتها من الدنيا وهي توصي بـ "الحفاظ على الأرض" كما لو كانت واحدا من أبنائها التسعة.

حالة نضالية
وباعتبارها حالة نضالية، أقيم لأم أيمن جنازة عسكرية مهيبة، ولفت بالعلم الفلسطيني وأكاليل الورد، ونقلت لمنزلها في جبل سلمان وأعين المستوطنين الذين لا يبعدون سوى عشرات من الأمتار ترقبها حيث ودعها ذووها.

مستوطنة يتسهار واحدة من ثلاث مستوطنات تحتل أراضي قرية بورين (الجزيرة)

وبموتها تفاعلت الجماهير محليا وعالميا عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، ونعتها بألقاب مثل "حارسة الجبل، سيدة الأرض" مستذكرة دفاعها عن أرضها بكل مرة، وحاثة على دعم أمثال أم أيمن في الحفاظ على أرضهم.

ونشر ابن قريتها نمر الطيراوي على صفحته بفيسبوك قائلا "الأرض تفتقد الأوفياء الذين قدروا قيمتها وعرفوا معنى ألا تترك بيتك للمستوطنين" وكتب أستاذ التاريخ عدنان ملحم "من سيصرخ اليوم في فضاء الجبال يستنصر الناس عندما يهجم المستوطنون".

في حين كتبت موظفة باللجنة الدولية للصليب الأحمر "أم أيمن شخصية معروفة لكل العاملين في الصليب الأحمر بنابلس، كانت مثالا أسطوريا في الصمود والتحدي".

أما رسميا فلم يقتصر الأمر على حضور جنازتها من قبل الجهات السياسية المختلفة، بل لتوجيه رسالة دعم ومناصرة لعائلة أم أيمن ومن على غرارها.

"ألف" أم أيمن
وفي السياق، يقول وزير هيئة الجدار والاستيطان وليد عساف إن أم أيمن شكلت قدوة في حماية الأرض والدفاع عنها، واحتلت بموقع منزلها بسفح جبل سلمان الذي تجثم فوقه مستوطنة يتسهار "مكانا إستراتيجيا" يحتاج لدعم متواصل يثبت صمودها.

مستوطنون يهاجمون قرية بورين بحماية جيش الاحتلال في الضفة بنابلس (الجزيرة)

وكشف عساف -في حديثه للجزيرة نت- عن قرار لهم بترميم منزل أم أيمن بما يعزز صمود عائلتها، حيث يسكن عشرة أنفار من أسرتها فيه، إضافة لتأهيل الطريق المؤدي لمنزلهم لتسهيل الوصول إليه ورفده بخدمات الماء والكهرباء مجانا.

ومثل أم أيمن حسب عساف "ألف حالة" من نماذج الصمود بأراضيهم ومنازلهم قرب المستوطنات بالضفة الغربية "وهؤلاء يحتاجون لحماية كاملة ومشاريع مخصصة لدعم ثباتهم".

وخرجت أم أيمن من منزلها دون حول منها أو قوة، فبعد أن حصَّنته وتحصَّنت فيه، سيَّجته بالشبك وأسلاك الحديد الشائكة، وراكمت فوق سطحه حجارة لتقذف بها المستوطنين، وكأنها تنفذ قولا لطالما رددته "لن أخرج منه إلا للقبر".

المصدر : الجزيرة