عـاجـل: وزارة الصحة الإسرائيلية: تسجيل 119 إصابة جديدة بفيروس كورونا ليصل العدد الإجمالي للمصابين إلى 6211

عميد المعتقلين بالسودان.. "الشيوعي" راعي المسجد

تكريم صديق يوسف في أحد المساجد بأم درمان (الجزيرة نت)
تكريم صديق يوسف في أحد المساجد بأم درمان (الجزيرة نت)

مزدلفة محمد عثمان–الخرطوم

يطل دائما بجلبابه الأبيض وعمامته الناصعة تسبقه ابتسامة غير مصطنعة تعكس دواخل بيضاء وتصالحا مع الذات قلّ أن يوجد مثيل له عند غيره من السياسيين في السودان.

هكذا يبدو دائما العقل المدبر والمخطط الأبرز للاتصال والعلاقات الخارجية في الحزب الشيوعي السوداني المعارض صديق يوسف، أو "عم صديق" كما يحلو للجميع مناداته.

ومع أنه أكبر السياسيين عمرا وهو يخطو بحيوية بائنة نحو عامه التاسع والثمانين، فإنه لا يكاد يخرج من المعتقل إلا ويعود إليه، ماكثا أسابيع وأحيانا شهورا وسنوات في زنازين خبرها منذ خمسينيات القرن الماضي.

هكذا كانت حال الرجل قبل أن تنجح ثورة الشباب السوداني وتطيح بالرئيس عمر البشير، فيأمن صديق يوسف وصحبه من الاعتقال للمرة الأولى منذ 30 عاما.

يوسف يحكي للجزيرة نت عن مرحلة اعتقالات طويلة في سجون السودان (الجزيرة نت)

حبس طويل
يقول العم صديق للجزيرة نت إنه بدأ رحلته مع السجون منذ نهاية الأربعينيات، وتوالت في حكم الرئيس إبراهيم عبود في الستينيات، لكنها لم تكن سوى "حراسات" أطولها قضيت فيها 45 يوما.

ويشير إلى أن "مأسسة الاعتقالات" ابتدعها الرئيس الأسبق جعفر نميري الذي أودعه في العام 1971 مع 45 آخرين سجن كوبر، لكن انقلاب هاشم العطا على نميري ساهم في إطلاق سراحهم لثلاثة أيام هي مدة الانقلاب، قبل أن ينجح نميري في السيطرة مرة أخرى، ثم يعيد حبسهم لعامين، قضى نصفها في سجن شالا بشمال دارفور والثانية في سجن كوبر بالخرطوم بحري.

ويقول يوسف -وهو مهندس عمل بحكومة السودان حتى فصله تعسفيا عام 1983- إنه خلال حكم نميري الذي امتد 16 عاما حُبس لخمس سنوات كان آخرها قبل انتفاضة أبريل/نيسان 1985 على نظام نميري.

عنف وتعذيب
وبعد ستة أشهر من انقلاب 30 يونيو/حزيران 1989 الذي قاده عمر البشير، وتحديدا في العام 1990 اعتقل صديق يوسف لعامين، يقول إنه قضى الجزء الأول منها في "بيوت الأشباح" حيث تعرض لأقسى أنواع التعذيب والضرب العنيف وإرهاب وصل حد إيهامه بالإعدام.

ثم تواصلت الاعتقالات منذ ذلك الوقت وطوال حكم البشير تبعا لتطورات السياسة حتى إنه كان يفاجأ بوجود اثنين من أنجاله معه في الحبس.

"إيمان الوالد بقضيته وعزيمته انعكست على الأسرة، وجعلتنا نتحمل عناء البقاء لأيام طويلة من دونه حين يكون في الحبس"، هكذا تحدث نجله هاشم للجزيرة نت وهو يروي حكاية والده الذي قضى ما لا يقل عن 12 عاما من عمره في السجن في عهد الحكومات المتعاقبة في السودان.

ويلفت هاشم إلى دور والدتهم في تحمل العبء الأكبر خلال سنوات الغياب خاصة في سنين حكم البشير الأولى حين ارتبط الاعتقال "بالتعذيب والمعاملة المهينة".

زوجته درية محمد إبراهيم تطالب بإطلاق سراحه خلال إحدى فترات اعتقاله (الجزيرة نت)

الحلم يتحقق
اليوم يبدو العم صديق سعيدا وهو يقطع عشرات الأمتار راجلا للوصول إلى مقر الاعتصام الذي لا يزال متواصلا أمام مركز قيادة الجيش بالخرطوم لشحن حماس الشباب، فكما يقول للجزيرة نت إن حلمه الذي كافح لأجله سنوات بأن يتحقق وهو العدالة والديمقراطية في السودان سيصبح واقعا بعد إزاحة حكم البشير.

ورغم ولاء العم صديق للحزب الشيوعي وشغله مواقع متقدمة فيه، فإنه كسب على مدى سنوات حب واحترام كل القوى السياسية بما فيها الإسلاميون الذين ناصبوا الشيوعيين العداء البائن.

تلك العداوة الأزلية لم تمنع العشرات من شباب المؤتمر الشعبي بزعامة الراحل حسن الترابي من حمل لافتات وتنظيم وقفة قبالة جهاز الأمن والمخابرات للمطالبة بالإفراج عن "العم صديق" حين تطاول اعتقاله العام الماضي.

شامة وعلامة
وكتب راشد عبد القادر، وهو من الكوادر الإسلامية المعروفة على صفحته بفيسبوك، عن صديق بعد اعتقاله الأخير في يناير/كانون الثاني الماضي قائلا "رجل يشبه الملايين من الآباء والناس العاديين.. أغبش الوجه، واضح الفكرة عديل الاستقامة دون اعوجاج أو شرخ أو انكسار لم يهادن أو يداجن أو يقف نصف موقف".

ويضيف عبد القادر "صديق يوسف شامة وعلامة ومبدأ وطريق.. يعلم أنه لم يبق في العمر متسع لفائدة شخصية وكسب خاص ولكنه يقاتل.. يقاتل للناس والأرض، فالقيادة مسؤولية والنضال منهج حياة".

أما الصحفي الناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان حسين سعد فيقول للجزيرة نت "العم صديق شخصية فذة واعية مفعمة بالإنسانية والنبل، عندما يتحدث تحس بتفاعله مع الحدث، فيبتعد عن الكلمات الجارحة، يراعي أحوال الناس، ويتكلم بشفافية، بعيدا عن الكذب والنفاق".

صديق يوسف أثناء زيارته للشباب المعتصمين أمام القيادة العامة للجيش بالخرطوم (الجزيرة نت)

ثمن غال
ويشير سعد إلى أن صديق من الزعامات السياسية التي تمتاز "بقدرة عالية على امتصاص الغضب والتعامل مع الآخرين بعيدا عن التوتر"، وهو كما يقول مرجعية لحل الخلافات بين القوى السياسية كما يعرف بالترتيب الشديد والالتزام ويمتاز بعلاقات واسعة، لذلك توكل إليه دائما مهام الاتصال والتنظيم، فدفع ثمن ذلك إذ كان الأكثر اعتقالا مع اثنين من أبنائه وحتى بعض أحفاده سجنوا وأصيب بعضهم بالرصاص خلال الاحتجاجات الأخيرة.

وخلال احتجاجات ديسمبر/كانون الأول 2013 خصص صديق جلّ وقته لدعم أسر الضحايا والجرحى بتوفير الدعم والعلاج والاستشارات القانونية، مستعينا بالجهات الخيرية، فكان يصل الليل بالنهار لمساندة هذه الأسر في كل أنحاء العاصمة.

ويضيف سعد "كنت شاهدا على كل هذا، العم صديق لا يحب الأضواء يعمل في صمت وهمة عالية".

حمامة المسجد
بعد خروجه من المعتقل في فبراير/شباط الماضي حظي صديق يوسف بتكريم داخل مسجد بأم درمان، ولاقت صور الحدث تفاعلا كبيرا في مواقع التواصل الاجتماعي، وتعليقات تمجّد الرجل صاحب الفكر الشيوعي.

ويروي يوسف أن المسجد الذي جرى تكريمه فيه شيّده والده في حي الملازمين العريق بأم درمان في العام 1959، وأنه منذ وفاة الوالد في العام 1981 بات المسؤول عن رعايته ومتابعة شؤونه ويرأس لجنته، في حين توالى على إمامة المصلين فيه منتسبون للعائلة.

ويؤكد الحزب الشيوعي في السودان في أدبياته على "احترام مقدسات الشعب وأديانه" في مجتمع متدين ومحافظ، ولكن الحزب ينادي بفصل الدين عن الدولة.

المصدر : الجزيرة