التجمع والنقابي والهيئات.. نجوم ثورات السودان

متظاهرون سودانيون أمام القيادة العامة للجيش (الأناضول)
متظاهرون سودانيون أمام القيادة العامة للجيش (الأناضول)

برز تجمع المهنيين، وهو عبارة عن تحالف نقابي، خلال الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس عمر البشير، في خطوة أعادت إلى الذاكرة كيانين مشابهين كان لهما دور بارز في ثورتين سابقتين شهدهما السودان في أبريل/نيسان 1985 وأكتوبر/تشرين الأول 1964.

وفي مؤشر على هذا الارتباط، سيّرت قوى الحراك في السودان يوم 6 أبريل/نيسان الماضي موكبا إلى القيادة العامة للجيش لتسليم مذكرة تدعو لتنحي البشير، وتحول الموكب لاحقا لاعتصام أدى لانحياز الجيش للشارع وسقوط النظام.

واختيار هذا التاريخ لم يكن وليد الصدفة، ففيه ثار السودانيون على نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري عام 1985 الذي حكم البلاد 16 عاما، ويومها انحاز الجيش إلى الشعب وسقط النظام.

وينظر السودانيون لثورتي أكتوبر وأبريل ﻛﻨﻬﺞ ﺛﻮﺭﻱﻣﺘﺼﻞ يعبر ﻋﻦ توقهم ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻴﺔ ﻭﺗﻌﻠﻘﻬﻢ ﺑﻬﺎ، ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ بوصفها نظاما عادلا ﻟﻠﺤﻜﻢ ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺃﻳﻀًﺎ وﺳﻴﻠﺔ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﺇﻧﺴﺎﻧﻴﺘﻬﻢ ﻛﺄﻓﺮﺍﺩ ﻭﺭﺛﻮﺍ ﺣﺮﻳﺔ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﻭﺍﻟﺠﻬﺮ ﺑﻪ ﺍﻧﻄﻼﻗًﺎ ﻣﻦ ﺧﻠﻔﻴﺘﻬﻢ ﺍﻟﺒﺪﻭﻳﺔ، كما كتب الصحفي السوداني يوسف عبد الله.

 

‪انحياز الجيش للشعب مثل عاملا مشتركا في انتفاضات السودانيين عبر التاريخ‬ (رويترز)

التجمع النقابي
وما أشبه الليلة بالبارحة، ومثلما بدأت الاحتجاجات التي أدت لسقوط البشير يوم 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي عفوية، بدأت انتفاضة ضد حكم جعفر نميري في مارس/آذار 1985 هبة عفوية من الشارع.

ولما تسارعت خطى الشارع أخذت النقابات زمام المبادرة ومعها الأحزاب السياسية، وبرز التجمع النقابي الذي كان قد تشكّل قبل ذلك بمدة قصيرة نتيجة لمبادرة قام بها أساتذة جامعة الخرطوم، في وقت كانت فيه المظاهرات ضد نظام نميري تتصاعد حيث بدأت بالجامعة الإسلامية ومعهد الكليات التكنولوجية يوم 26 مارس/آذار 1985.

ونفذ الأطباء إضرابا في الخرطوم يوم 30 مارس/آذار، وفي 1 أبريل/نيسان اجتمع ممثلون لنقابات مهنية اتفقوا خلاله على الدخول في إضراب سياسي يوم 3 أبريل/نيسان. وسيّر الأطباء موكبا احتجاجيا للقصر الجمهوري، وانضمت 30 نقابة للتجمع. وتكونت في 5 أبريل/نيسان قيادة موحدة للثورة من النقابات والأحزاب.

واكتمل تشكيل التجمع يوم 6 أبريل/نيسان بدار أساتذة جامعة الخرطوم، وقوامه المحامون والمهندسون والصيارفة والتأمينات العامة واتحاد طلاب جامعة الخرطوم، ووسط إضرابات القطاعات المهنية والمظاهرات الحاشدة، انحاز الجيش للشعب وأعلن الفريق عبد الرحمن سوار الذهب انحياز القوات المسلحة للشعب وإنهاء حكم نميري.

جبهة الهيئات
كانت ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964 تتويجا لحراك عام انتظم الشارع السوداني ضد حكم الرئيس إبراهيم عبود الذي استولى على السلطة في انقلاب يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1958، وهو حراك شاركت فيه كل القوى السياسية السودانية تقريبا، وإن كان للطلاب فيه النصيب الوافر عبر المظاهرات التي انطلقت من جامعة الخرطوم للمطالبة بالحرية والديمقراطية بعد تصعيد الحكم العسكري للوضع في جنوب السودان وطرده القساوسة الأجانب.

وفي أعقاب مقتل الطالب أحمد القرشي برصاص الشرطة في جامعة الخرطوم يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 1964، شكلت النقابات جبهة الهيئات من أساتذة جامعة الخرطوم ونقابة المحامين والأطباء والمهندسين واتحاد العمال والمزارعين وغيرهم، لتتولى قيادة الحراك ضد الحكم العسكري مستخدمة سلاح الإضراب السياسي والعصيان المدني والذي تمكن من الإطاحة بالحكم العسكري، وذلك من خلال التنظيم الجيد والتظاهر وإيقاف حركة العمل وصولا إلى إصابة البلاد بالشلل.

تجمع المهنيين
وكأن التاريخ يعيد نفسه، فمثلما اتفقت النقابات المهنية في ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964 على رفع مذكرة للرئيس عبود تدعوه للتنحي، تقاطرت الحشود من كل أنحاء العاصمة بناء على دعوة من تجمع المهنيين يتقدمهم المهنيون وقادة الأحزاب السياسية يوم 25 ديسمبر/كانون الأول 2018 صوب القصر الرئاسي لتسليم مذكرة لرئاسة الجمهورية تطالب البشير بالتنحي.

من الأحداث الراهنة التي تعود بالذاكرة إلى ثورة أكتوبر، انحياز ضباط في الجيش والشرطة للمتظاهرين، وذلك قبل انحياز الجيش بصورة كاملة للشارع.

وإذا كانت الثورات الشعبية السابقة قد استندت إلى قوة الحركة النقابية في أوج عنفوانها والحركة السياسية المنظمة في المدن الكبرى في السودان وخاصة العاصمة الخرطوم، فإن الثورة الحالية اندلعت بذرة احتجاجاتها في عطبرة، ثم تمددت إلى العاصمة ومدن السودان الأخرى.

والتف السودانيون حول تجمع المهنيين السودانيين الذي حظي بثقة الناشطين والمتظاهرين على نحو جعلهم يقررون التظاهر بناءً على طلبه، رغم أنهم لا يعرفونه لعدم ظهور قيادته لأسباب أمنية، حتى وصفه نظام الرئيس المعزول عمر البشير بـ"الشبح الإلكتروني".

‪العلم السوداني حاضر في احتجاجات السودان‬ (الأناضول)

كسر الطوق
أُسس تجمع المهنيين في العام 2013 بعد الاحتجاجات التي عمت البلاد في سبتمبر/أيلول من ذلك العام، إلا أن الإعلان الرسمي عنه كان في أغسطس/آب 2018 في ظل تعتيم على أعضائه وهيئاته لأسباب أمنية.

ويوجد في السودان أكثر من 100 حزب سياسي بين معارض وموالٍ للحكومة، لم يكن أي منها المحرك الرئيسي للشارع خلال الاحتجاجات التي استمرت أكثر من أربعة أشهر، إذ نجح البشير طوال ثلاثة عقود في إخماد أصوات المعارضة أو تشتيت رموزها، لكن "تجمع المهنيين السودانيين" تمكّن من كسر الطوق ليقود الاحتجاجات ضد النظام.

بدأ "تجمّع المهنيين" بثمانية تنظيمات، أبرزها تحالف المحامين الديمقراطيين، وشبكة الصحافيين السودانيين، ولجنة الأطباء المركزية، ولجنة المعلمين السودانيين، ولجنة البيطريين، ثم انضمت إليه تنظيمات أخرى.

ولا يسيطر على "تجمع المهنيين" لون سياسي واحد، إذ تنتمي قيادات تنظيماته إلى خلفيات سياسية وفكرية مختلفة.

المصدر : الجزيرة

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة