إسرائيل ترقب بصمت الحراك العربي بأفريقيا وتخشى تداعياته

المظاهرات تتواصل في الجزائر رغم تنحي بوتفليقة (رويترز)
المظاهرات تتواصل في الجزائر رغم تنحي بوتفليقة (رويترز)

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

في الوقت الذي تلتزم فيه إسرائيل الرسمية بالصمت حيال الحراك بالجزائر والسودان وحتى ليبيا، بدت مراكز الأبحاث والباحثين بالأمن القومي أكثر اهتماما بالهواجس الإسرائيلية من التداعيات على نفوذ إسرائيل في أفريقيا واحتمال إفراز التطورات دعما للقضية الفلسطينية.

ولا تقتصر المخاوف الإسرائيلية على حراك الجزائر الذي أجبر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة فحسب، بل أيضا على ما تشهده ليبيا من معارك، والإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير، وهي الأنظمة التي كانت مهادنة للسياسات الإسرائيلية ولم تشكل تهديدا لها، وفقا لتقدير موقف صادر عن مركز أبحاث الأمن القومي بجامعة تل أبيب.

ويرى الباحثون الإسرائيليون أن ما تشهده الجزائر والسودان وليبيا هو نتاج للربيع العربي وإفرازاته التي انتقلت إلى الدول العربية والإسلامية بأفريقيا، الأمر الذي يلزم تل أبيب بإعادة النظر في سياساتها تجاه المغرب العربي والقارة الأفريقية.

وتتلخص الهواجس الإسرائيلية في عودة تيار الإسلام السياسي في الجزائر بعد الإطاحة بالرئيس بوتفليقة، وتغلغل نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية والحركات الجهادية في المغرب العربي، وتعزيز الحراك الداعم والمساند للقضية الفلسطينية، واحتمال تجدد نقل السلاح من هذه البلدان للمقاومة في غزة عبر سيناء.

المعتصمون ضد حكم المجلس العسكري بوسط الخرطوم اليوم (الأناضول)

عدم الاستقرار
وتحت عنوان "التحريض في شمال أفريقيا.. ماذا ينذر الحراك والاحتجاجات بالجزائر؟"، أصدرت الباحثة سارة فويير تقدير موقف لمركز أبحاث الأمن القومي، استعرضت فيه حراك الجزائر وتداعياته على السياسات الإسرائيلية في المغرب العربي وأفريقيا، وجزمت بأن حراك الجزائر تسبب بحالة من عدم الاستقرار في أفريقيا التي عاشت استقرارا نسبيا.

وتقدر الباحثة فويير بأن شعوب المنطقة تعيش أنماط حياة جديدة، لكنها تبدي مخاوف من التعبئة والحشد الشعبي الواسع ضد الأنظمة الدكتاتورية والمؤسسة العسكرية، وذلك خشية تكريس العنف على غرار ما حدث في دول الربيع العربي.

ومع ذلك، فإن اندلاع الاحتجاجات في الجزائر، أكبر بلد في أفريقيا، يشير -بحسب الباحثة الإسرائيلية- إلى أن الردع ربما يكون قد تآكل، وقد يؤدي عدم الاستقرار في شمالي أفريقيا إلى تحديات أمنية لتل أبيب.

وتقترح فويير على صانعي السياسة في تل أبيب إيلاء اهتمام خاص بخمسة اتجاهات بالجزائر في الأشهر القادمة، وهي: نقل السلطة، واستمرار الضعف الاقتصادي، ومكانة الإسلام السياسي، ونشاط الحركات الجهادية، وتوسيع النفوذ الروسي.

وتتمثل مصادر القلق الفوري لإسرائيل في احتمال تصعيد الاحتجاجات بالجزائر إلى حدث مزعزع للاستقرار على نطاق أوسع، مع تواصل الفوضى المستمرة في ليبيا، وخلق حالة من الفراغ مع استمرار وجود أماكن لجوء في المغرب العربي للفصائل الإسلامية المعادية لإسرائيل.

لذلك ترى الباحثة أنه ينبغي على إسرائيل أن تدرس فرص تحسين التعاون الأمني مع دول المنطقة الأكثر تضررا من عدم الاستقرار، خاصة الدول التي تبدي استعدادا أكثر للتعاون مع تل أبيب، كما تقترح على السلطات الإسرائيلية توسيع التعاون مع مصر ليشمل التنسيق في جمع المعلومات الاستخبارية من أجل تأمين الحدود الغربية لمصر.

وتذهب فويير إلى أن الإنجاز السياسي الأخير بين إسرائيل وتشاد ينبع من رغبة تشاد في كبح جماح العنف من ليبيا بمساعدة إسرائيلية، وعليه تقول "ستفعل إسرائيل الشيء الصحيح عن طريق استغلال فرص مماثلة بهدوء في أماكن أخرى في المنطقة".

وفي ظل الديناميكيات الإقليمية، تعتقد فويير أنه "يجب على إسرائيل أن تستعد وتتحضر لكل السيناريوهات"، كما تتوقع أن تكون تل أبيب أكثر فاعلية في المغرب العربي وأفريقيا.

قوات حكومة الوفاق جنوب غرب طرابلس الليبية (الجزيرة)

تحولات جذرية
الموقف ذاته يعبر عنه الدكتور يرون فريدمان، المحاضر في مساق الشرق الأوسط والإسلام بجامعة حيفا، حيث يعتقد أن الوضع الحالي في الجزائر والسودان وليبيا يظهر تحولا جذريا، ويقول "لسوء الحظ، أثبتت موجة الثورات في العالم العربي في بداية العقد أنه يوجد في منطقتنا، باستثناء تونس، خياران: الحكم الإسلامي أو الدكتاتورية العسكرية".

أما في الجزائر، فيرى فريدمان أنه "لا يزال من الممكن التساؤل عما إذا كان الجيش سيسمح بالانتقال السلس إلى الانتخابات الديمقراطية مثل تلك التي أجريت في تونس في نهاية الدكتاتورية. بينما في السودان وليبيا، يبدو أن القادة يفضلون السير على خطى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي".

ويرى الباحث أن الجيش الجزائري لن يسمح بعودة الإسلاميين للحكم كما حدث في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وأنه سيستغل "فزاعة" الحركات الجهادية والتهديدات الخارجية ضمن مساعيه للسيطرة على مقاليد الحكم.

ويرجح فريدمان أن التغييرات في ليبيا والجزائر والسودان قد تشير إلى قدر أكبر من الاستقرار في الحدود مع مصر، وعليه ستسعى هذه الأنظمة العسكرية لتحقيق الاستقرار حتى لو كان الثمن هو قمع الحقوق المدنية وتقييد حرية الصحافة.

المصدر : الجزيرة