يحدث في مصر.. رقص على دماء دستور ذبيح

يحدث في مصر.. رقص على دماء دستور ذبيح

الرقص المشترك الرئيسي في زفة التصويت أثناء حكم السيسي (رويترز-أرشيف)
الرقص المشترك الرئيسي في زفة التصويت أثناء حكم السيسي (رويترز-أرشيف)

يحفظ التاريخ لمحمد علي باشا "باني مصر الحديثة" أنه نفى الراقصات وأبعدهن عن القاهرة، حيث أصدر أمرا عام 1834 بالقبض على الراقصات وترحيلهن إلى الصعيد، وفرض خمسين جلدة عقوبة على كل امرأة ترقص في الطريق.


القرار كان خاصا براقصات الخلاعة والخنا، حيث وجد في عملهن عائقا مثبطا لا يناسب مسيرته ومشاريعه، ولم يشمل مظاهر أخرى للفرح يحسبها البعض على الرقص، مثل التحطيب الذي ينطوي على رجولة وفروسية.

لم يكن يدر بخلد الباشا الألباني "الباني" وهو مشغول بتوطيد أركان الدولة وتوسيع رقعتها ونفوذها، أنه سيأتي يوم وتنكمش الدولة التي بناها، ويهبط السقف وتعود الراقصات شامتات، ليستوطنّ شارعا يحمل اسمه في قلب القاهرة ظل مرتبطا بمفردات الرقص (عوالم وغوازي وراقصات وحتى أرتيست..) ولوازم صنعة اللهو.

امتدت بقعة انتشار الراقصات من شارع محمد علي -الذي بدا اختيار الرقص وأهله له ثأرا من الباشا الذي وجد في مهنتهم تثبيطا للبناء- لتشمل لاحقا شارع الهرم وشارع محمد علي والفنادق الكبرى حول نيل القاهرة ومراكب السياحة النيلية السابحة على مياهه. 

كما تدرجت وظيفة الرقص لاحقا وانتقلت من صالات الأفراح والأندية الليلية وشاشات السينما لتجد لها مكانا ووظيفة في السياسة، مضمونة "الحصانة" من الملاحقة القضائية رغم أن القانون يجرم من يقول لشخص "يا ابن الراقصة" ويعتبرها سبا يستوجب العقاب.

تزدحم قائمة نجوم الرقص والسياسة بالأسماء والجنسيات والأسرار التي ورد بعضها في مذكرات راقصات لم تنشر، وأخريات دفعن حياتهن ثمنا لشروعهن في نشرها، لتموت الأسرار معهن، وأصبح الحديث مادة للإثارة والتسلية والتندر، بشأن أسماء وحالات فردية.

استرقاص   
ومن رقص المحترفات المصريات منهن، ولاحقا الروسيات، إلى "استرقاص" الشعب، بدأ المشهد السياسي منذ الانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال عام 2013 ضد أول رئيس مدني منتخب.

وجد السيسي ومن حوله في الرقص و"استرقاص الملأ" وظيفة لجذب واستقطاب المزيد من الملأ، تماما كما يفعل صانعو سينما الشباك بحشر مشاهد الرقص الخليع في أفلامهم لضمان جذب الجمهور وزيادة الإيرادات.

ومن ثم كان الرقص و"الاسترقاص" القاسم المشترك المرتبط بالحاكم في أكثر من مناسبة، خصوصا فيما أطلق عليه انتخابات رئاسية جرت بشكل مسرحي هزيل، وصولا إلى الاستفتاء على "التعديات" الدستورية الأخيرة التي يطلق عليها تعديلات، يكبل بها البلاد والعباد، ويجهز على الرمق الأخير المتبقي من ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 بشأن المادة الخاصة بفترة ولايته.

وفي مشهد الانتخابات الرئاسية الأولى التي جرت عام 2014 وبينما كانت اللجان الانتخابية خاوية في الداخل إلا من الموظفين، بدا المشهد خارجها مزدحما بمشاهد الرقص وبالراقصات اللاتي ارتدى بعضهن علم مصر ولم يبخلن على من يمر بتوزيع القبلات لاستمالة الناخبين إلى التصويت.

تكرر المشهد في الانتخابات الرئاسية العام الماضي، لكن الضجة الراقصة التي صاحبتها -كسابقتها- لم تناسب المنافس "الكومبارس المغمور" الذي اختير مرشحا منافسا في مواجهة السيسي لتكتمل الصورة.

متعهدو الرقص حاضرون دائما للترويج (رويترز-أرشيف)

عقلية الزفة
جرت العادة في الرقص الاحتفالي بدول العالم أن يأتي عقب الفوز تعبيرا عن الفرح، لكنه في المشهد السياسي المصري يأتي سابقا ومواكبا وملاحقا للمناسبة، حيث يكون في الأولى حشدا وفي الثانية استهواء وفي الثالثة استقواء.
 
اعتماد الرقص ركنا رئيسيا "في زفات السيسي السياسية" شجع إحدى فضائيات النظام قبل نحو ثلاثة أعوام، على تنظيم مسابقة رقص تتنافس فيها المشاركات على اللقب.

ندد نفر من علماء الأزهر بالأمر واعتبروه انحرافا وتحديا سافرا وهجمة شرسة على الدين والأخلاقيات فتوقف البث لمدة أسبوع، لكن القناة استأنفت بث مسابقة الرقص بعدما برأت محكمة مصرية مسابقة الرقص من تهمة "إشاعة الفجور".
 
المخيلة الراقصة باتت طاغية على عقلية المحيطين بالنظام حتى فيما أطلقوا عليه أغاني وطنية واكبته ورافقته، منها على سبيل المثال "تسلم الأيادي" و"بشرة خير" اللتان تتمتعان بإيقاع راقص يشجع المستمعين على الرقص.

العقلاء في "أم الدنيا" ينبذون مثل هذه المشاهد ويعتبرونها عارا وسبة ونيلا من سمعة مصر والمصريين، مؤكدين أن الفضيلة هي الأصل، وأن هذا النوع من الرقص مشوه لصورتهم وسمعتهم، وحتى لو استطاب الحاكم ومن حوله الاستعانة به دائما وفي غير مناسبة، فسيبقى عرضا عارضا لن يدوم.

المصدر : الجزيرة