"غزوة الكراتين".. حضر الطعام وغاب الشباب في الاستفتاء على تعديل الدستور بمصر

يشهد اليوم نهاية الاستفتاء على تعديلات دستورية تسمح بتمديد رئاسة السيسي حتى عام 2030 (الجزيرة)
يشهد اليوم نهاية الاستفتاء على تعديلات دستورية تسمح بتمديد رئاسة السيسي حتى عام 2030 (الجزيرة)

                                                                   عبد الكريم سليم-القاهرة

لا حديث للناس في مصر بالتزامن مع استفتاء شعبي على تعديل الدستور إلا عن "الكرتونة" وكيف يمكن الحصول عليها دون أن يخالف المرء ضميره ويصوت بنعم في لجان الاقتراع.

ويشهد اليوم نهاية الاستفتاء على تعديلات دستورية تسمح بالتمديد للرئيس الحالي حتى عام 2030 وتطلق يده في السيطرة على القضاء، كما تمنح الجيش يدا عليا في الشؤون المدنية بصفته حاميا للدستور ومدنية الدولة.

ولأن السلطة ترغب في تحاشي أي انطباع بأن الشعب قاطع الاستفتاء، فقد حضر الشحن الإعلامي المكثف وحضرت معه كراتين المواد الغذائية بقوة منذ اليوم الأول للاستفتاء، ونجحت في إيجاد حالة من الحضور النسبي أمام بعض اللجان بالمناطق الشعبية، وهو ما دفع صحيفة تايمز البريطانية إلى إعداد تقرير موسع حول ما أسمته "استغلال الطعام للتصويت من أجل مساعدة السيسي للبقاء في الحكم حتى عام 2030".

وطالب نشطاء بعدم تداول صور من يتسابقون على نيل الكراتين الغذائية بدعوى أنها جرحت مشاعر ذويهم وأبنائهم، وأورد بعضهم قصصا بهذا المعنى قالوا إنها حدثت بالفعل.

ويحصل المواطن المصوت على كوبون يتلقى بموجبه صندوقا به كميات صغيرة من السلع الغذائية خصوصا الأرز والسكر والزيت، وذلك عقب خروجه من اللجنة. وضمانا لحشد أكبر عدد ممكن من المصوتين، لجأت مؤسسات حكومية وخاصة لحشد المصوتين في سيارات خاصة بها باتجاه اللجان، وذلك في اليوم الثاني للتصويت.

وكعادتهم سخر المصريون من انتشار ظاهرة "الكراتين" أمام اللجان وأطلقوا على الاستفتاء وصف "غزوة الكراتين" على غرار الوصف الشهير "غزوة الصناديق" الذي التصق بالاستفتاء على الإعلان الدستوري في مارس/آذار 2011.

نجحت الكراتين في إيجاد حشد أمام اللجان في بعض المناطق (مواقع التواصل)

غاب الشباب
واستمرارا للظاهرة التي صاحبت الاستحقاقات الانتخابية منذ الانقلاب العسكري صيف 2013، كان أغلب المشاركين في الاستفتاء من المسنين، وغاب الشباب الذين يمثلون أكثر من ثلثي المصريين، وهو ما برره الناشط القبطي المؤيد للسيسي صمويل مينا بأن ذلك مرده تزامن الاستفتاء مع أيام صيام المسلمين في شهر شعبان، وتزامنها مع الصيام الكبير للمسيحيين.

وشهدت وسط القاهرة صخبا واختناقا مروريا بسبب إخراج إدارة مؤسسة دار التحرير الصحفية لعمالها في موكب يتقدمه رئيس المؤسسة وكبار العاملين بها باتجاه لجان التصويت، وهو ما عدّه صحفيون بالمؤسسة أنه "محاولة مدفوعة بأوامر أمنية لإيجاد إحساس لدى المواطنين بوجود استفتاء لا يشعر به أحد في مختلف انحاء البلاد". 

وقال شهود عيان إن بسطاء وزوجاتهم اصطفوا في طوابير على رصيف ميدان الساعة بمدينة نصر شرق القاهرة، وفي نهاية الطابور شخصان يرتديان ملابس رسمية، بجوار سيارة فارهة يسلمون البسطاء كوبونات وشارات خاصة بحزب مستقبل وطن الذي بدا أنه الراعي الرئيسي لتوزيع الكراتين الغذائية.

وذكر شهود من دائرة مايو جنوب القاهرة أنه جرى حشد فتيات يعملن في مصنع للملابس للرقص أمام اللجان بالتعاون مع حزب مستقبل وطن. أما في التجمع الخامس شرق القاهرة والمعروف بكونه حيا راقيا، فقد شوهد عمال وحرفيون تقلهم حافلات تابعة لإحدى الشركات لتنقلهم إلى إحدى اللجان.

وفي الإسكندرية ذكر شهود عيان أن اللجان في سموحة وأبو قير كانت فارغة إلا من "المستأجَرين" المعدودين لإظهار شعبية للسيسي. كما خصص حزب مستقبل وطن -الذي بات يعد الذراع السياسي للنظام- سيارات لنقل الناخبين مجانا من وإلى اللجان.

يشكك مراقبون في صحة إجراءات الاستفتاء من الناحية الدستورية (مواقع التواصل)

إهانة المصريين
من جهتها أبدت النائبة البرلمانية نادية هنري أسفها على ما يحدث أمام كل اللجان ووصفته بأنه "أمر مهين لا يقبله أحد" مطالبة باحترام حرية الاختيار دون تهديد أو رشاوى، ومضت بالقول في صفحتها بموقع فيسبوك "رفضنا هذا الأسلوب أيام الإخوان المسلمين ونرفضه الآن".

وخلال جولته على عدد من اللجان، لاحظ مراسل الجزيرة نت وجود أشخاص خارج اللجنة مباشرة معهم كشوف بأسماء الناخبين، ومن سلوكهم يبدو أنهم يحصون أعداد المشاركين ليبلغوا جهة ما.

وسجل شهود أن كل مشارك ساهم في إيجاد حالة حاشدة أمام اللجان سواء بالرقص أو توزيع الكراتين الغذائية حصل على مبلغ يتراوح بين مئة و150 جنيها يوميا (الدولار= 18 جنيها).

وتميزت العملية الانتخابية بالسلاسة واليسر مع قلة أعداد الناخبين، ولا يستغرق المشاركون في الاستفتاء وقتا طويلا أثناء التصويت، وفي عدة لجان لا يحجب المصوت عن مشرفي اللجنة أي ساتر، بالمخالفة لقواعد التصويت المتبعة.

كوبونات التموين مقابل التصويت في الاستفتاء (مواقع التواصل)

مخالفة دستورية
لم يقتصر الأمر على الحشد خارج اللجان، فقد انتبه رئيس الحزب الوطني المنحل حسام بدراوي إلى أن ورقة التعديلات تتيح للناخب التصويت بنعم أو لا على التعديلات جملة واحدة، وهو ما يعد مخالفة للمادة ١٥٧ من الدستور الساري، والتي تنص على "إذا اشتملت الدعوة للاستفتاء على أكثر من مسألة، وجب التصويت على كل واحدة منها" وهو ما ينطبق على التعديلات الحالية.

وقال الحقوقي نجاد البرعي إن عملية الاستفتاء لتعديل الدستور على النحو الذي تم به يمكن أن تهدم العملية برمتها وتطعن في شرعية الاستفتاء، وتساءل في صفحته على موقع فيسبوك "هل نوقش هذا الأمر في اللجنه التشريعية في البرلمان؟ هل ناقشه مستشارو الرئيس القانونيون؟".

استرداد الثقة
من ناحية أخرى استرد معارضو التعديلات الدستورية ثقتهم بأنفسهم مع انتشار صور لكثيرين على صفحاتهم بمنصات التواصل وهم يصوتون برفض التعديلات.

وقالت الناشطة نورهان حفظي إنها تراجعت عن موقف المقاطعة، وتحفزت للنزول والتصويت برفض التعديلات.

ولاحظ الناشط شوقي قناوي ازدياد المتراجعين عن مواقفهم بمقاطعة الاستفتاء لأنها "آخر فرصة سلمية لحقن دماء المصريين، بعدها لا خلاص إلا بدماء كثيرة".

في المقابل أبدى رافضون للتعديلات ندمهم على المشاركة بعدما "تحول الاستفتاء إلى مهرجان كرتوني للمهانة والابتذال القومي" بتعبير الكاتب محمد سطوحي.

واستدل هؤلاء بالقبض على الناشط أحمد بدوي الذي نزل للشارع حاملا لافتة رفض التعديلات الدستورية، وهو ما يكشف رغبة النظام في تمرير الاستفتاء بأي ثمن.

وسجل التقرير الأول لغرفة متابعة الاستفتاء بنقابة الصحفيين مخالفات للقائمين على اللجان بمنع الصحفيين من التصوير أو التغطية، خاصة في اللجان التي عانت انعدام وجود ناخبين، وتذرع الأمن في بعض الحالات بعدم توافر تصاريح للتغطية مع الصحفيين.

المصدر : الجزيرة