العراق على حبل مشدود بين إيران والسعودية

العراق على حبل مشدود بين إيران والسعودية

العراق ساحة رئيسية للتنافس الإيراني السعودي (رويترز)
العراق ساحة رئيسية للتنافس الإيراني السعودي (رويترز)

تسير الحكومة الجديدة في بغداد على حبل مشدود بين استرضاء إيران (صاحبة النفوذ القوي في العراق) من جهة، والاستفادة من الفرص الجديدة من دول الخليج العربي على غرار السعودية، من جهة أخرى.

وقالت الباحثة بمؤسسة الجزيرة العربية جنيف عبده ومدير معهد الجزيرة العربية والأستاذ المساعد بجامعة جورج واشنطن فراس مقصد -في مقال نشرته مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية- إن المشككين يتساءلون عما إذا كانت مبادرات السعودية خلال العام ونصف العام الماضي لتحسين العلاقات الثنائية مع العراق ستؤتي أكلها حقا، لاسيما بعد مرور 25 عاما على القطيعة بين البلدين. وربما سيتعين عليهم إعادة النظر في شكوكهم.

وأفاد الكاتبان بأن السعودية والعراق بصدد الانخراط في سلسلة أنشطة تعكس الجهود المكثفة المبذولة من قبل كلا الجانبين لتعزيز الروابط الثنائية، مع العلم أن الأولى افتتحت قنصلية لها في بغداد في الرابع من أبريل/نيسان. ولعل الهدية الأبرز من الناحية الجيوسياسية ذلك اليوم هي الوعد الذي قطعه السعوديون بمد العراق بالتيار الكهربائي في إطار مشروع استثماري سعودي.

السعودية تعمل على مساعدة العراق على تقليص اعتماده الاقتصادي على إيران (رويترز)

العامل الاقتصادي
وبدأ رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي زيارة رسمية للرياض يوم 17 أبريل/ نيسان على رأس وفد رسمي وتجاري كبير، فضلا عن أن الوفود التجارية بصدد التنقّل ذهابًا وإيابًا بين البلدين.

وأمام الحكومة العراقية الكثير لتكسبه عبر تطوير وتعزيز العلاقات مع السعودية. ورغم تنامي المعارضة المحلية للتدخل الإيراني، قد تعجز بغداد عن الحد من النفوذ العسكري لطهران داخل العراق. ومع ذلك، من المحتمل أن تساعد السعودية وحلفاؤها العرب على التقليص من اعتماد العراق الاقتصادي على إيران.

بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط التي تعصف بها الحروب الطائفية بين الشيعة والسنة خاصة في سوريا والعراق -يقول المقال- يعتبر هذا التقارب حديث العهد علامة مهمة على أن العلاقة الجيوسياسية تتغلّب على الصراعات الطائفية. وتدرك السعودية أن الإستراتيجية الأكثر حصافة من أجل التنافس مع إيران بالعراق تكمن في التركيز على العلاقات الاقتصادية بدلا من العسكرية أو السياسية.

وأشار الكاتبان إلى أنه في حال وفت السعودية بوعدها في توفير الكهرباء والغاز الطبيعي قريبا، فسيتمكّن العراقيون من تجنب العديد من الأزمات أهمها النقص الفادح في التيار الكهربائي وانقطاعه بجميع المناطق لاسيما منطقة الجنوب ومدينة البصرة القريبة من الحدود السعودية.

وتجدر الإشارة إلى أن نقص الكهرباء هو أكثر ما يثير استياء العراقيين من حكومتهم، حيث يحمّلونها مسؤولية الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي نتيجة الفساد وسوء الإدارة. واستمرّت المظاهرات في البصرة منذ الصيف الماضي، أي عندما قامت إيران بصفتها المورد الرئيسي بالمدينة وجميع أنحاء العراق بقطع الكهرباء بشكل مفاجئ.

وبينما يتباهى الرئيس الإيراني حسن روحاني بإمكانية زيادة الصادرات إلى العراق من 12 إلى عشرين مليار دولار خلال عام 2019، يؤيّد العراق بشكل متزايد المساعدة السعودية باعتبارها قوة اقتصادية موازنة لإيران. ومن جهتها، تولي المملكة أهمية كبرى لتدارك غيابها السابق على الساحة العراقية، ليس بسبب تزايد سيطرة إيران على دولة مجاورة فحسب، وإنما بسبب الجهود السعودية الأميركية المشتركة للتصدي لإعادة انبعاث تنظيم الدولة الإسلامية، حسب تعبير المقال.

ولا يشكّل تنظيم الدولة تهديدا على الصعيد الأمني فقط، بل تعتبره المملكة بمثابة الذريعة التي تستخدمها المليشيات الشيعية المدعومة من إيران، والتي تعمل خارج نطاق سيطرة كل من بغداد والقوات المسلحة العراقية للحفاظ على استقلاليتها والمشاركة في الأنشطة العسكرية.

وبهدف التصدي لظهور تنظيم الدولة مجددا، يعمل السعوديون بنشاط على إشراك العرب السنة المحرومين من حقوقهم في العراق، ذلك أن التنظيم استمد منهم الكثير من الدعم في الماضي.

بحسب المقال.. السيستاني الخيار الأفضل للسعودية باعتباره معارضا للتدخل الإيراني بالعراق (رويترز)

العمق الشيعي
وخلافا للتوقعات، قد يكون أمام السعودية فرصة أفضل للتأثير على النتائج السياسية ضمن الأغلبية الشيعية بالعراق. وحيال هذا الشأن، قال مسؤول سعودي رفيع المستوى يعمل بالعراق "توجد فرص سانحة (بالنسبة للسعودية بالعراق) لاسيما على خلفية استياء الشيعة المتزايد من الواقع السياسي المدعوم من طرف إيران".

وأوضح الكاتبان أن الفرص التي ظهرت أمام السعودية تعود إلى الطبيعة الهشة لسياسات بغداد وبعض الصعوبات التي تواجهها إيران في التعامل مع السياسيين العراقيين. فعلى سبيل المثال، لا يزال رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر -الذي يسيطر على قوات شبه عسكرية- ينأى بنفسه عن إيران، علاوة على أنه قام بزيارة تاريخية للسعودية في يوليو/تموز 2017.

وقال الصدر إنه ينبغي على جميع المتطفلين الأجانب -وتحديدا إيران والولايات المتحدة- مغادرة البلاد. في المقابل، ردّت مصادر عراقية على هذا مفيدة بأن الصدر المعروف بآرائه المتقلّبة أحيانًا لا يعد محل ثقة، لذلك يجدر بالسعوديين العثور على حلفاء شيعة أكثر مصداقية. ويمثّل المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني الخيار الأكثر منطقية باعتباره معارضا شرسا للتدخل الإيراني بالعراق.

وذكر الكاتبان أن معضلة السيستاني تكمن في حقيقة أن أي مبادرة مباشرة سيقوم بها تجاه السعوديين -حتى لو كانت سرّية- ستنعكس عليه بالتأكيد بشكل سلبي على الصعيد السياسي. وفي ظلّ وجود عدد كبير من أتباع المذهب الشيعي، سيظهر السيستاني في صورة الخائن لاحتضانه بلدا كان يحرض فيه رجال الدين السلفيون من السنة لشنّ حملات ضد الشيعة.

لكن في الوقت الراهن، تتبنى السعودية نهجا أكثر عمليّة، حيث يتوق كبار المسؤولين لمساعدة السيستاني وعدد من الزعماء الشيعة الذين يتمتعون بحيّز من الاستقلالية عن إيران. ورغم أنه لا يزال من غير الواضح كيف يمكن تعزيز هذه العلاقة في ظل وجود حساسيات بين البلدين، فإنه يمكن القول إن كلا الجانبين يدركان وجود العديد من المصالح المشتركة بينهما ورغبة في إنشاء علاقات تعاون.

وفي حين أن السعودية لا يمكنها وضع حد لهيمنة إيران على العراق بشكل كامل، فإن زيارة رئيس الوزراء العراقي للرياض -ناهيك عن الاستثمارات والمساعدات التي تقدمها المملكة- سيكون لها تأثير كبير على تعزيز العلاقات بين البلدين. بالإضافة إلى ذلك -يقول المقال- فإن مشاريع التنمية الاقتصادية والمساعدات ستجعل العراق أقوى وأكثر استقرارا واستقلالية، وهو ما يرفض الإيرانيون حدوثه. فبالنسبة لإيران -التي لا ترغب في أن يتمتع العراق بقوة اقتصادية كبيرة تمكنه من الوقوف في وجهها- فإن الاستثمارات السعودية الهامة بالعراق تشكل عائقا خطيرًا.

وفي الختام، أشار الكاتبان إلى أن نجاح السعودية سيستغرق بعض الوقت. ولعل ذلك ما أكده السياسي العراقي أحمد جاسم الأسدي في قوله "مازال الطريق طويلا أمام السعودية حتى تتمكّن من تغيير الصور النمطية وتصبح فعالة ومؤثرة وقادرة على المنافسة في محيطها الإقليمي".

المصدر : الصحافة الأميركية