قَدَر.. عروس فلسطينية اختطف الاحتلال فرحتها بأسر زوجها
عـاجـل: الإمارات كانت قد نفت تعرض مطار أبو ظبي العام الماضي لأي هجوم وقالت إن الحادث تسببت به مركبة إمدادات

قَدَر.. عروس فلسطينية اختطف الاحتلال فرحتها بأسر زوجها

قدر عكاوي زوجة الأسير محمد فرحان مع طفلتها سوار بمنزل عائلتها في البلدة القديمة بالقدس (الجزيرة)
قدر عكاوي زوجة الأسير محمد فرحان مع طفلتها سوار بمنزل عائلتها في البلدة القديمة بالقدس (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس المحتلة


في أزقة البلدة القديمة بالقدس المحتلة -وخلال البحث عن منزل عائلة عكاوي، ومع الاقتراب من منطقة حائط البراق- أطلت "قدر عكاوي" زوجة الأسير المقدسي محمد فرحان من شرفة مشغلها ترشد زائريها أن يصعدوا سلالم طويلة تؤدي إلى منزلها.

تستقبل عكاوي ضيوفها بابتسامة تخفي خلفها ألما ينمو بداخلها منذ ستة أعوام، عندما اعتقل زوجها بعد حفل زفافهما بأربعة أشهر، وكانت تبلغ من العمر حينها عشرين عاما.

ولدت قَدَر عام 1992 في البلدة القديمة بالقدس وترعرعت بها وارتبطت بزوجها عام 2012، وانتقلت للعيش معه في مخيم شعفاط شمال القدس بعد تحرره من سجون الاحتلال، لكن فرحتهما لم تدم طويلا إذ اعتقل مرة أخرى بعد زواجهما بفترة وجيزة.

خلال استقبالها للجزيرة نت في إحدى غرف منزل ذويها -التي حولتها إلى مشغل لتصنيع الشموع- سردت لنا بتسلسل زمني دقيق أبرز الأحداث التي مرت بها وزوجها، وكأنها تنظم فصول حياتها معه في خيط قوي واحد.

الأسير المقدسي محمد فرحان ليلة الحناء قبل زفافه في مخيم شعفاط (الجزيرة)

ذكريات
أرشفت قَدَر في ذاكرتها التحضيرات السريعة للزفاف واللحظات الجميلة التي عاشتها مع شريك حياتها في المخيم، قبل أن تنقلب حياتها رأسا على عقب، وتخوض تجارب قاسية لم تخطر ببالها قط.

تحرر محمد قبل ارتباطه بقدر بسبعة أشهر وقضى في سجون الاحتلال سبعة أعوام، وفي آذار/مارس 2012 شاهد على مواقع التواصل مقطع فيديو يركل به أحد عناصر شرطة الاحتلال مصحفا كانت تحمله مرابطة بالمسجد الأقصى، وأثار المشهد غضبه.

تذكر قدر أنه طلب منها إيقاظه يوم الجمعة لأداء صلاة الفجر في المسجد الأقصى كعادته، لكنها لم تستفق على صوت المنبه يومها، وعندما استيقظت وجدت زوجها خارج المنزل، ولم يرد على اتصالاتها.

بتأثر كبير تصف حالته عندما عاد للمنزل مساء ذلك اليوم "وجهه أحمر وشفتاه مشققتان.. لم يجبني على أي من أسئلتي سوى أن قوات الاحتلال ألقت الغاز المدمع باتجاه المصلين".

بات العروسان تلك الليلة في منزلهما في المخيم، ولم تتوقع قدر أنها الأخيرة، إذ طلب منها زوجها مغادرته خوفا على جنينها عند مداهمة قوات الاحتلال للمنزل، وهكذا فعلت.

تقول الزوجة "مكثت في البلدة القديمة في منزل عائلتي واتصل بي محمد اليوم التالي، ليخبرني أنه في رام الله ويريد مقابلتي فأسرعت إلى هناك.. سرنا في الشوارع لكنه كان متوجسا ثم طلب مني التوجه إلى المخيم كي أرتب المنزل بعد مداهمته وتفتيشه، وأخبرني أنه هرب واختبأ أسفل سيارة متوقفة ولم يتمكن الجيش من اعتقاله".

نماذج من الشموع التي تصنعها قدر وتتوسطها شمعة طبعت عليها صورة زوجها الأسير (الجزيرة)

مطاردة
عاد محمد المطارد إلى المخيم في الليلة ذاتها، وقابلته قدر في منزل عمته وأخبرها بأنه سيسلم نفسه صباح اليوم التالي لمركز تحقيق المسكوبية و"لم أتقبل كل ذلك.. شعرت أنني طفلة لا يمكنها تحمل هذا القهر العميق".

فاجأ محمد زوجته بقرع جرس منزل عائلتها في البلدة القديمة صباح اليوم التالي ليودعها، ثم مضى إلى المسكوبية وسلّم نفسه خوفا من تعرض زوجته الحامل لمضايقات في حال بقي مطاردا "زوجي معتقل منذ ستة أعوام وما زلت أتوجس من صوت جرس المنزل حتى الآن لأنه يذكرني بلحظات خطر وخوف وقلق".

شهر كامل مضى لم تعرف قدر عن زوجها أي معلومة كونه يخضع للتحقيق في الزنازين. مرّت الأيام وتوالت أسابيع الحمل، قضتها تتردد على جلسات محاكم زوجها "أول محكمة حضرتها كانت الأقسى، لم أستوعب المشاهد من حولي.. أصوات صراخ وأصفاد تكبل أيدي وأرجل الأسرى وزوجي بينهم.. أطل مبتسما وأنا في نفسي أتساءل: كيف يضحك في هذا الوضع الصعب؟ ثم نضجت وأدركت أنه أسد شامخ لا ينكسر وبدأت استمد قوتي منه".

اتهم الاحتلال محمد بإلقاء زجاجات حارقة يوم الجمعة على شرطة الاحتلال المتمركزة على أبواب الأقصى، انتقاما لركل أحد عناصرها المصحف بقدمه، وحكم بالسجن الفعلي لمدة ستة أعوام ونصف العام تنتهي في الثامن من سبتمبر/أيلول المقبل.

قدر بين أمهات وزوجات أسرى خلال رحلة ترفيهية رافقتهم فيها الجزيرة نت (الجزيرة)

أنجبت طفلتهما البكر "سوار" بينما ما يزال زوجها موقوفا يتنقل بين السجون والمحاكم، وبعد مرور أشهر شعرت بضرورة ملء أوقات فراغها بسبب غيابه فالتحقت بدورات للتجميل ثم دورة لتصنيع الشموع وتزيينها بعد تفريغها، ووجدت نفسها تدخل عالما تحب تفاصيله.

أشبه الشمعة كثيرا فهي تحترق لتنير دروب من حولها، وأنا منذ اعتقال زوجي أحترق لأنير دربه ودربي ودرب طفلتنا.. الشمعة كلما ذابت توهج نورها وأنا أذابت قلبي الأحزان لكنني أشع وصامدة وأنتظر أن يجتمع شملنا مع زوجي بعد شهور".

في مشغلها تتناثر قطع الشمع هنا وهناك، وأكثر الشموع التي لفتت انتباهنا تلك التي طبعت صورة زوجها على إحدى واجهاتها وعلى الواجهة المجاورة كتبت "أنت في حفظ الرحمن، وفي قلبي أنا.. غائبي، طال الانتظار".
 
أضفت عودة سوار من المدرسة أجواء مختلفة، وتحدثت الأم عن لقاء سوار بوالدها في زيارات السجون قائلة "عندما يسمح السجانون لأطفالنا لقاء آبائهم بشكل مباشر أتسمر في مكاني وأراقب محمد وسوار كيف يتصرفان، وكيف يتأمل طفلته خلال مدة الزيارة ".

بدخلها المادي الرمزي من الشموع التي تصنعها وبراتب زوجها الأسير تمكنت قدر من بناء غرفة ومرحاض ومطبخ في مخيم شعفاط لتؤويها وزوجها بعد تحرره، وتحدثت عن نيتها تصميم تحف منزلها يدويا بالشموع.

تجلس سوار في حضنها، تنصت بدقة لكل ما تقوله والدتها لكن لم تبح بالكثير للجزيرة نت، واكتفت بقولها "لما يتحرر بابا رح ألبس فستانا وأستقبله.. أنا أحلم في الليل بغرفتنا الجديدة الجميلة وبأن والدي سيعيش معنا فيها".

المصدر : الجزيرة