النيل يجري شمالا.. هل أربكت ثورة السودان السيسي وغيرت مسار تعديلات الدستور؟

عبد الكريم سليم-القاهرة

شربت القاهرة من مياه النيل التي مرت بالخرطوم الثائرة، فاضطرب باطنها ولم تعد كما كانت قبل أيام، فقد أصابت حالة من الارتباك المطبخ السياسي المصري العاكف على تعديلات دستورية تمدد بقاء السيسي في الحكم، بالمخالفة لنصوص حاكمة وقاطعة في الدستور. 

وأجرى البرلمان تعديلات على التعديلات ليصير بإمكان السيسي البقاء عامين إضافيين لفترته الحالية، ثم يحق له الترشح لست سنوات إضافية، ليكون موعد رحيله المفترض هو 2030، متنازلا عن أربع سنوات من الحكم، كانت تتيحها الصيغة السابقة للتعديلات. 

وكان التعديل المطروح والمتوافق عليه وفق ما نشر في الإعلام المصري، يتيح للسيسي الترشح لفترتين إضافيتين مدة كل منهما ست سنوات بالإضافة إلى الفترتين الحاليتين ومدة كل منهما أربع سنوات، ليبقى مع المصريين حتى عام 2034. 

ويصوت البرلمان اليوم الثلاثاء على مجمل التعديلات، التي اعتبرها قضاة تغولا من السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، فضلا عن وضع الجيش فوق الدولة بصفته حاميا للدستور ومدنية الدولة. 

أسباب التراجع
يرجع مراقبون هذا التراجع النسبي إلى تطورات الأحداث في الجزائر والسودان، فيما ذهب آخرون إلى القول إن السبب الحاسم للتراجع هو لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب والسيسي الأسبوع الماضي، وخشية الإدارة الأميركية من اندلاع اضطرابات في مصر مثل التي جرت بالجزائر والسودان.

وعقب اندلاع انتفاضة الجزائريين والسودانيين، خرج السيسي في خطاب بداية مارس/آذار الماضي ليحذر المصريين بعصبية واضحة من "أولئك الذين يتحدثون عن الوضع الاقتصادي لبلادهم والظروف المعيشية لأهلها".

وقال السيسي إن "الناس في هذه الدول تضيع بلدها، لأن كل هذا الكلام (يقصد الاحتجاجات) له ثمن، ومن سيدفع الثمن هو الشعب والأولاد الصغار".

ودلّل السيسي على الأثمان التي تدفعها الشعوب -التي تقوم بتظاهرات احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية وغيرها- بأن مصر خسرت في عام ونصف عام بعد ثورة 2011 نصف الاحتياطي من العملة الأجنبية، الذي كان يبلغ 36 مليار دولار قبل إسقاط الرئيس الأسبق حسني مبارك في فبراير/شباط 2011.

ودأب السيسي ووسائل الإعلام المقربة من السلطة على إرهاب المصريين بسيناريو سوريا والعراق تحديدا، لو حاولوا الاحتجاج، الذي يعتبره السيسي تهديدا للاستقرار بوصفه مؤامرة خارجية. 

مغامرة غير مضمونة
يرى الكاتب والمحلل السياسي سليم عزوز في التعديل الذي جرى على التعديل الدستوري بشأن مدة الرئاسة "تحوطا لكل المحاذير سواء التي برزت من الجنوب حيث السودان، أو التحذيرات التي تلقاها من الغرب حيث الإدارة الأميركية".

وتابع عزوز بحديثه للجزيرة نت أن الأمور لا تمضي كما يشتهي السيسي، لذا فهو يضع كافة الحلول الممكنة بحيث لو لم يرض الأميركان عن إعادة انتخابه لدورتين جديدتين، فها هو يقدم لهم بديلا وهو مد فترته عامين إضافيين، فلا تبدو فترتين إضافيتين بل هي فترة واحدة ممدودة.

ويعتقد عزوز أن الصيغة الأخيرة للتعديلات تجنب السيسي أزمة إعادة انتخابه وهي مغامرة غير مضمونة النتائج بالنسبة له، مؤكدا أن كل الصياغات حتى تلك المتعلقة بمجلس الشورى الجديد ونسب المعينين فيه، لا تختلف عن بعضها بعضا إلا في درجة السوء، والنظام يفاضل بينها على أساس ما يخدم بقاءه.

لن تجلب الاستقرار
من جهته، يربط نائب رئيس حزب الجبهة مجدي حمدان بين تعديل التعديلات وتطورات الوضع في السودان، معربا عن اعتقاده بأن الأمر لن يقتصر على التعديلات، بل سينسحب على خطط وسياسات جديدة للنظام المصري داخليا وخارجيا، وخصوصا مع تزايد تمسك السودانيين بتحقيق كافة مطالبهم وإزاحة العسكريين من السلطة، وهو أمر يقلق القاهرة.

ويعتقد حمدان أن هذه التعديلات بصيغتها الجديدة لن تجلب الاستقرار للنظام، بل ستكون وبالا علي المنظومة بأكملها لتجاهلها حالة الاحتقان الشعبي المتزايد، خاصة مع ما يصل للمصريين من كيفية صياغة التعديلات وكواليسها بالبرلمان، فضلا عن صمت السيسي عنها، بما يعني موافقة ضمنية منه رغم تصريحاته السابقة بنفي أي اتجاه لتعديل الدستور.

ويرى حمدان في حديثه للجزيرة نت أن شعبية النظام نقصت بهذه التعديلات، رغم محاولات تجميلها بصياغات جديدة لمراعاة الغضب الشعبي، لكن الارتفاع القادم في الأسعار سيشعل مزيدا من الغضب.

بدوره، يرى الرئيس السابق لحزب الدستور خالد داوود أن صدى الوضع في الجزائر والسودان يتردد في آذان الجميع، مضيفا في تصريحات صحفية أن ذلك هو ما جعل النظام المصري في "وضع غير مريح".

وأعربت منى محمود -وهي معلمة- عن اعتقادها أن كل ما يجري تحت قبة البرلمان من تعديلات وتعديلات على التعديلات محض مسرحية لإلهاء المصريين ومفاجأة الجميع بالصياغات الأصلية.

وقال محمد صابر -وهو معلم درس لأبناء ضباط- إنهم يقولون في مجالسهم الخاصة إن النظام المصري بات أقوى مما كان عليه سابقا، ولن يتأثر بما يجري حوله الآن لأنه أخذ مناعة ضد الثورات، وكانت سنة 2011 بمثابة "المصل الواقي" الذي لا تزال الجزائر والسودان تحصلان عليه، على حد قولهم.

المصدر : الجزيرة