السودان.. دعوات الاجتثاث تخدش شعار العدالة

معتصمون أمام القيادة العامة للجيش (الأناضول)
معتصمون أمام القيادة العامة للجيش (الأناضول)
محمد طه البشير-الجزيرة نت
 
حذر كثيرون خلال الاحتجاجات التي سبقت الإطاحة بحكم عمر البشير من هتاف "كلو كوز ندوسو دوس" ليس فقط لأنه "إقصائي" وإنما لأنه يتناقض مع شعار الثورة الرئيسي "حرية، سلام، وعدالة".

وما كان شعارا بالأمس تحول اليوم لدعوات ومطالبات تدعو لـ "اجتثاث "الكيزان" أو حزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقا، وكوز تعني "الأخ المسلم" وهي مقولة للإمام حسن البنا "الدين بحر ونحن كيزان نغرف منه" ولكن الزعيم الإسلامي حسن الترابي قالها في ندوة بالسبعينيات وشاع استخدامها بعد ذلك.

دعوات حل حزب المؤتمر الوطني ومنعه من النشاط السياسي جاءت على لسان ناشطين في الاعتصام الذي ما يزال متواصلا أمام القيادة العامة للجيش، وبعض قيادات إعلان الحرية والتغيير المساند للحراك.

ووفقا للناشطة السياسية هادية حسب الله فإن المؤتمر الوطني "بؤرة فساد" وظل لسنوات يقوم بتدمير الاقتصاد ولديه مؤسسات ضالعة في الفساد، ووصفت في حديثها للجزيرة المطلب بالمنطقي والمعقول ومن دونه لا يمكن لشباب الثورة وقوى إعلان التغيير إعلان أنهم أنجزوا الثورة.

عمر باسان (يمين) أحدثت مشاركته باجتماع تنويري للقوى السياسية مع المجلس العسكري ضجة كبيرة (مواقع التواصل)

قديم جديد
مفهوم الاجتثاث والإقصاء ليس جديدا في القاموس السياسي السوداني، فقد سبقت دعوة لحل الحزب الشيوعي وطرده من البرلمان عام 1965 وقف خلفها الإسلاميون، وكذلك ما تعارف عليه تاريخيا بكنس آثار مايو عقب الثورة التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق جعفر نميري عام 1985، وهي قضايا سببت أزمات في الحياة السياسية رغم تطاول عهدها.

ولذلك برزت دعوات الآن للفصل بين موقف حزب المؤتمر الوطني وتصرف قياداته السياسية، وبالتالي محاكمة أي قيادات تثبت عليها تهمة فساد أو تعد على المال العام مع إمكانية استمرار نشاط الحزب.

ويقول الصحفي فيصل محمد صالح إنه مع السماح للحزب بمزاولة عمله السياسي مع محاسبة القيادات التي ارتكبت جرائم، وحذر في حديث للجزيرة من أن عدم تمكين الحزب من ممارسة نشاطه يمكن أن يحوله إلى تنظيم سرى في ظل الحديث عن امتلاكه كتائب وأسلحة، وهذا لا يمكن أن يحدث مع وجود قيادة معروفة للحزب يمكن محاسبتها في حالة حدوث أي تفلتات، وفقا ما يقول صالح.

صالح: منع حزب المؤتمر من ممارسة نشاطه يمكن أن يحوله لحزب سري (الجزيرة نت)

لا مشاركة بالحكومة
وقد أحدثت مشاركة الأمين السياسي لحزب المؤتمر الوطني في اجتماع التنويري للقوى السياسية -الذي دعا له المجلس العسكري- مفاجأة في الأوساط السياسية وأربك حسابات الأطراف الداعية لحظر الحزب، وقال الناطق الرسمي باسم تجمع المهنيين ضمن تحالف الحرية والتغيير محمد ناجي الأصم إنهم لم يتلقوا دعوة لهذا الاجتماع. لكنه أضاف أنهم تلقوا تأكيدا من عدم مشاركة حزب المؤتمر الوطني في الحكومة الانتقالية.

مساء الأحد الماضي قال الناطق باسم المجلس العسكري الفريق الركن شمس الدين كباشي في مؤتمر صحفي إن قراراً قد صدر بحظر مشاركة المؤتمر الوطني بالحكومة المدنية المقبلة، وتكوين لجنة لحصر أصوله وممتلكاته. وأفاد ببداية التحفظ على دُور الحزب بالعاصمة والولايات. ومن جهته أعلن حزب المؤتمر رفضه احتجاز أصول مقراته بالخرطوم والولايات. وقال في بيان إنه سيواجه ذلك بالإجراءات القانونية.

هذه الإجراءات -وفقا للصحفي عبد الماجد عبد الحميد- يمكن تفهمها في ظل الظروف الحالية والتي تفرض على المجلس الاستجابة لضغط جهات سياسية، ويؤيد التريث في الاستجابة للدعوات "الهائجة" التي تطالب بحظر النشاط السياسي للحزب الحاكم سابقا.

لكن بعضا من المطالب التي قدمت للمجلس العسكري تتجاوز صلاحيات المجلس، فمطالبته مثلا بحلّ ومصادرة دُور المؤتمر الوطني "يعني ذلك تخويل المجلس العسكري سُلطة قضائية ليست من حقّه.. ويمكن أن يستخدم هذه السلطة مستقبلا في مصادرة دور الصحف ودور الأحزاب الأخرى إذا ما بدأت بتكوين آراء مضادة له" بحسب الكاتب الصحفي عثمان ميرغني.

العدالة الانتقالية
ولذلك يجب أن تتركّز المطالب حالياً -وفقا لميرغني- في انتقال السلطة إلى مجلس مدني فقط، والذي بدوره سيملك فيما بعد سلطات تشريعية قضائية وتنفيذية تقوم بمحاكمة المجرمين وفق القانون والدساتير وهيكلة ما يشاء من المؤسسات.

وبموجب ذلك يمكن محاسبة قيادات الحزب المتهمين بارتكاب جرائم أو مخالفات وفقا لمفهوم العدالة الانتقالية، وما يجب القيام به هو الاتفاق على آلية عمل لهذه العدالة الانتقالية "لكن الوقت في نفسه لا حجر لأي تنظيم على مزاولة نشاطه السياسي ومن دون ذلك مخاطر سيدفع ثمنها السودان كله".

وليس أدل على ذلك من ظهور الناجي عبد الله أحد قيادات الإسلاميين في شريط فيديو طالب فيه السلطة الجديدة بالتشاور مع جميع مكونات الشعب بما فيها المؤتمر الوطني، وقال إنهم لن يتسولوا أحدا للمشاركة، و"مستعدون لكل الخيارات، وإذا كان هناك أحد يعتقد أنه يمكن أن يقتلعهم من السودان فهو واهم". 

المصدر : الجزيرة