لوموند: ميكانزم الكارثة.. كيف انهار السودان في ظل حكم البشير؟

لوموند: ميكانزم الكارثة.. كيف انهار السودان في ظل حكم البشير؟

تردي الأوضاع في البلاد حرك السودانيين للمطالبة بتغيير النظام تحت شعار "حرية، سلام وعدالة" ( الجزيرة)
تردي الأوضاع في البلاد حرك السودانيين للمطالبة بتغيير النظام تحت شعار "حرية، سلام وعدالة" ( الجزيرة)

غادر الرئيس السوداني السابق عمر البشير، بعد أن طرده الجيش في 11 أبريل/نيسان، بلدا مصابا بفقر الدم جراء تحكم الأجهزة الأمنية التي احتكرت الثروة وأوقعت البلاد في عدد من الحروب.

هكذا لخصت صحيفة لوموند في تحقيق مطول كتبه جان فيليب ريمي أوضاع السودان الاقتصادية، مشيرة إلى أن حكاية هذا البلد يختصرها توقف العمل في شارع النيل بوسط الخرطوم، حيث يقوم قصران رئاسيان، أحدهما بناه العثمانيون عام 1830 والآخر حديث جدا شيده الصينيون.

في الشارع -كما يقول الكاتب- الرافعات بلا حراك والبنايات الخرسانية التي انتشرت في أوقات الخير مغطاة بغبار يشبه الصحراء القادمة من الشمال، وكل المواقع تشبه المقابر، باستثناء موقع واحد، هو "النادي الرياضي لأجهزة المخابرات".

جان فيليب ريمي:
"أصبح اقتصاد البلاد، قبيل الانفجار، ينهار والبنوك لم تعد لديها السيولة النقدية، وحتى آلات الصرف الآلية أصبحت فارغة، لأن المقربين من النظام شفطوا كل أموال البنوك، والعملة خسرت قيمتها، وكل شيء يقترب من النهاية، حتى الرواتب توشك أن تتوقف".
وأشار الكاتب إلى أن رعاية بلد يمر بأزمة لأجهزة مخابراته التي يعتقد أن رخاءها المادي ضروري قد لا يكون غريبا، إلا أن حدوث ذلك في بلد خزائنه فارغة والأسعار فيه بلغت حدا لا يطاق من الارتفاع والتضخم بلغ 70%، له دلالة كبيرة على تضخم وقوة هذه الأجهزة.

ووصف الكاتب أجهزة أمن السودان بأنها دولة داخل الدولة، أنشئت لحماية النظام وقد دمجت فيها مليشيات كل الحروب الأهلية في السودان لتشكيل قوة للقمع ومراقبة المواطنين، حتى أصبحت فاعلا غنيا وقويا يخيف كل المؤسسات.

ورغم قوة هذه الأجهزة التي واجهت في بداية الأمر تحالف معارضي إعلان الحرية والتغيير بحملة قمع صارمة، فإن المحتجين انتصروا في النهاية ورحل الرئيس، وبدأت معركة أخرى.

دولة مصابة بفقر الدم
وبعد ثلاثة عقود من الحكم، كما يقول الكاتب، فإن الإرث الذي تركه البشير هو دولة مصابة بفقر الدم، قد التهمتها "مخابراتها"، ولم يبق منها إلا قصره الرئاسي الثاني الذي بنته شركة صينية، بعد 130 سنة من تحرير الخرطوم من قبل قوات الزعيم محمد أحمد المهدي (1844-1885)، ومعه نادي المخابرات وقصر حزب المؤتمر الوطني غير المكتمل.

وبصورة مختصرة، يقول الكاتب إن اقتصاد البلاد ينهار والبنوك لم تعد لديها السيولة النقدية، وحتى آلات الصرف الآلية أصبحت فارغة، لأن المقربين من النظام شفطوا كل أموال البنوك، والعملة خسرت قيمتها، وكل شيء يقترب من النهاية، حتى الرواتب توشك أن تتوقف.

رغم أن السودان يحتل المركز الثالث عالميا بين الدول المنتجة للذهب فإن كميات كبيرة منه غادرت البلاد عن طريق التهريب (الجزيرة نت)

وينقل الكاتب عن مصدر دبلوماسي قوله إن "النظام ببساطة لا يملك إجابة على الانهيار الاقتصادي"، قبل أن يصل في تحليله إلى الطريقة التي أدى بها الإفقار الواسع النطاق إلى ثورة ضد السلطة، موضحا أن "هذه الحركة الاحتجاجية هي نتاج غضب كبير ووعي قوي، جعل طبقة كاملة من المجتمع تريد أن تستريح ليس فقط من عمر البشير، ولكن من النظام بكامله".

أكلها بنوها
وينسب الكاتب إلى مضوي إبراهيم آدم، الناشط في مجال حقوق الإنسان، أن الانهيار الحالي هو فخ وقعت فيه السلطة، "حين استولى المقربون من النظام على كل أموال البنوك، ففقدت العملة قيمتها، وانهار كل شيء فلم تعد هناك رواتب ولا أموال. هذا هو ما فعلوه".

ولفهم أسباب هذا الانهيار، تجب العودة إلى تولى عمر البشير السلطة في 30 يونيو/حزيران 1989، حين صعد البشير للإسلاميين بقيادة الراحل حسن الترابي.

ولكن البشير في نهاية التسعينيات أنهى الفترة الذهبية للحكم مع الإسلاميين، وفسخ عقده مع الشيخ الترابي، وفي العام 1999 بدأ ضخ النفط من محطة بورتسودان على البحر الأحمر، فأصبحت الدولة منتجة ومصدرة للنفط الخام.

آمال تبددت
وفي عام 2005 تم التوقيع على اتفاق مع متمردي الجنوب (الحركة الشعبية لاستقلال السودان)، يحدد إطار السلام ويوفر إمكانية انفصال الإقليم الجنوبي عن الوطن الأم بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات، مما جعل المستقبل يبتسم أخيرا في السودان مع تباشير السلام والنفط والخصخصة والأمل في تطبيع وضع البلد الدولي، مما يؤدي إلى رفع العقوبات الأميركية، حسب الكاتب.

ولكن شيئا من ذلك لم يقع، مع أن الأموال بدأت بالفعل تتدفق وبدأ البناء في كل زاوية من الخرطوم، واستعادت البرجوازية غير الإسلامية في السنوات التي سبقت 1989، التي كانت مهمشة، موطئ قدم في الاقتصاد، كما يقول الكاتب.

في هذه الفترة أصبحت السلطة أغنى وأقل أيديولوجية وتعتمد على السيطرة بالمال من خلال أوفيائها في حزب المؤتمر الوطني الذي يثير الآن استياء الطبقة الوسطى بسبب الفساد.

في غضون ذلك، وقعت صدمات كبيرة، ولكن بعد عشر سنوات من الإنفاق المجنون، جاء انفصال الجنوب الذي يضم ثلاثة أرباع النفط عام 2011، ليضع السودان في مأزق.

لوموند: البشير دمر البلاد عندما منح أقرباءه امتيازات وتركهم يدمرون رجال الأعمال المحليين والسلطات المحلية (مواقع التواصل الاجتماعي)

وبما أن النفط يمثل 80% إلى 90% من عائدات السودان وقد أغلق صنبوره بين عشية وضحاها، فقد جرى تخفيض قيمة العملة وانخفض الجنيه السوداني، الذي فقد 66% من قيمته في غضون عام، وفقا لدراسة أجراها خالد حسن البيلي، أستاذ الاقتصاد في كلية إدارة الأعمال بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا.

ولكن الصدمة -حسب الكاتب- لم تكن اقتصادية فقط، بل رافقتها مشاكل اجتماعية لا حصر لها، وإن خفف من وطأتها انفصال الجنوب المختلف بشريا ودينيا، ولكنه أخذ معه النفط.

ثالث منتج للذهب
وينقل الكاتب عن رافاييل شيفريلون-جويبرت، من معهد بحوث التنمية إن السودانيين بعد انفصال الجنوب "أعادوا التفكير في الاقتصاد، وبدؤوا يركزون على قطاع التعدين والزراعة"، في محاولة لتعويض النفط.

ولكن الخطة وفق الكاتب لم تكن مدروسة جيدا، وانتهت بسلسلة من الإخفاقات، حين مارست الحكومة سياسات ليبرالية فائقة، وقامت بخصخصة الشركات المملوكة للدولة في ظروف غامضة، وتنازلت عنها لمسؤولي السلطة غير الأكفاء أو الفاسدين.

وأثار قطاع التعدين أيضا نوعا آخر من الانجراف، فبعض مواقع تعدين الذهب كانت تحت سيطرة أجهزة المخابرات أو المليشيات القريبة منها، كما هي الحال في شمال دارفور، حسب الكاتب.

ورغم أن السودان يحتل المركز الثالث عالميا بين الدول المنتجة للذهب، وقد صُدرت طبقا لوزارة التعدين 93 طنا في عام 2018، فإن كميات كبيرة منه غادرت البلاد عن طريق التهريب.

وذهب الكاتب إلى أن عمر البشير الذي نجح في اجتذاب جمهور الناخبين في العقد الأول من القرن العشرين، قد دمر ما أقامه عندما منح لأقاربه الامتيازات وتركهم يدمرون رجال الأعمال المحليين والسلطات المحلية، مما أثار الاحتجاجات في عامي 2012 و2013 وفي عام 2015.

ويختتم الكاتب بإفادة من ياسر شيخ الدين، مهندس التطوير العقاري ومدير أحد مراكز الأبحاث في السودان قال فيها "لقد شاركت في انتفاضة أبريل 1985، وشارك أبي في ثورة أكتوبر 1964. وفي كل مرة، كنا نظن أننا يمكن أن نرى انتصار العدالة والديمقراطية. أما اليوم فيجب أن نفكر بشكل مختلف، لأن الخطر سيكون في مرحلة ما بعد البشير.

المصدر : لوموند