تشديد الأمن بالجزائر.. هل تسعى السلطة لتقييد الحراك الشعبي؟

تشديد الأمن بالجزائر.. هل تسعى السلطة لتقييد الحراك الشعبي؟

قوات من الشرطة الجزائرية تمنع متظاهرين من التوجه لساحة البريد المركزي بالعاصمة (الأناضول)
قوات من الشرطة الجزائرية تمنع متظاهرين من التوجه لساحة البريد المركزي بالعاصمة (الأناضول)

إسلام عبد الحي-الجزائر

ليلة الجمعة الماضية، وبينما كان الجزائريون يعدون أنفسهم للتظاهر مجددا والمطالبة برحيل رموز النظام، صُدموا ببيان أمني يفيد بتوقيف "مجموعة إرهابية مدججة بالأسلحة والذخيرة، كانت تخطط للقيام بأعمال إجرامية ضد المواطنين، مستغلة الكثافة البشرية".

لكن وعلى غير العادة، لم يتضمن البيان -الذي أصدرته مديرية الأمن الوطني (الشرطة)- أي تفاصيل عن توقيت أو مكان العملية المفترضة، كما لم يشر إلى هوية الأشخاص ونوع الأسلحة التي حُجزت.

وتزامن نشر البيان مع تضييق شديد من قوات الدرك الوطني على المسافرين المتوجهين نحو العاصمة عبر كل المنافذ المؤدية إليها لمنعهم من المشاركة في المسيرة الأسبوعية.

وسبق البيان إجراء رسمي غير معلن بمنع المسيرات في العاصمة طيلة أيام الأسبوع ما عدا يوم الجمعة، ثم خطاب لرئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح تحدث فيه عن مطالب المحتجين التعجيزية بعدما قال في خطاب قبله إنه سيسعى لتلبية كل مطالب الحراك.

ويعني ذلك ضمنيا -وفق مراقبين- مطالبة الجزائريين بالعودة إلى منازلهم والاكتفاء بما حققوه حتى الآن، أي تنحي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

عناصر من وحدة الأبحاث والتدخل أثناء مواجهات وقعت على هامش مسيرات الجمعة الماضية بالعاصمة (رويترز)

تشديد أمني
ومنذ الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة الماضي، شهدت العاصمة انتشارا مكثفا لقوات الأمن التي حاولت منع المتظاهرين من التجمع أمام ساحة البريد المركزي التي أصبحت قبلتهم الأولى، لكنها تراجعت بعد إصرار المحتجين وتزايد أعدادهم.

ولوحظ لأول مرة منذ انطلاق الحراك الشعبي وجود فرقة خاصة للتدخل السريع تابعة للشرطة تسمى "GOSP" تجوب الشوارع، كما تعززت قوات مكافحة الشغب بآليات،  تنتقد استعمالها منظمات حقوقية محلية ودولية مثل العربات المزودة بقنابل صوتية وعبوات غازية.

ورغم تلك القيود ومحاولة الترهيب شهد قلب العاصمة وجودا مكثفا للمتظاهرين مع اقتراب منتصف النهار، وتضاعف عدد الحشود مباشرة عقب صلاة الجمعة.

هذا التصعيد التدريجي للإجراءات الأمنية يعتبره أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة سطيف زين الدين خرشي محاولة من السلطة لمعرفة سقف سلمية الحراك الشعبي.

وأضاف في حديث للجزيرة نت أن المتظاهرين لديهم وعي بمخطط السلطة لإخراجهم من السلمية ودفعهم للعنف الذي سيكون أفضل تبرير لخطاب قايد صالح الذي يتهم فيه أطرافا أجنبية بمحاولة اختراق الحراك.

من جهته، يربط الإعلامي نجيب بلحيمر قرار اللجوء إلى القمع بخطاب رئيس أركان الجيش الثلاثاء الماضي، الذي تضمن تأكيدا على أن الحل الذي سيتم فرضه هو تنظيم انتخابات بإشراف من يطالب الشعب برحيلهم فورا.

ويقول بلحيمر إن "النظام الذي يتصرف -كجسم واحد- منسجمٌ بعيدا عن الروايات التي تروج العكس".

أما المحلل السياسي محمد هناد فيرى أن المسيرة جرت مثل بقية المسيرات رغم بعض المناوشات المحدودة و"المشكوك في أمرها" بين بعض الشبان والشرطة التي واجهتهم بخراطيم المياه والقنابل المدمعة (المسيلة للدموع).

وفي حصيلة لمسيرة الجمعة الماضية، أكدت الشرطة إصابة 83 شرطيا من عناصرها من جراء "اعتداءات بالحجارة وأدوات حادة من قبل منحرفين ومندسين"، وتوقيف 180 شخصا.

الجمعة الثامنة من الحراك السلمي تميزت بمحاولة إجهاضها بالقمع، الذي بدأ يوم الثلاثاء الماضي ضد طلاب الجامعات، ثم انتقل لمحاولة تقليص المسيرات الأسبوعية الكبرى بالعاصمة.

ويرى خرشي أن قمع المتظاهرين وتقييد حركتهم سيكون لهما مفعول عكسي، حيث سيدفع ذلك المحتجين إلى التمسك بمطالبهم.

ويقول إن الجماهير مدركة لخطة السلطة المتمثلة بالتخويف وتقليص عدد المتظاهرين، بينما يتوقع حضورا أقل للنساء والأطفال بحثا عن السلامة.

أما زميله هناد فيعتقد أن حدوث مواجهات عنيفة خلال المسيرات سيحول القضية السياسية لقضية أمنية، وهذا ما تريده أنظمة الحكم التي تأبى التنحي، حسب تعبيره.

سيناريوهات
الرسالة التي وجهها الشعب الجزائري يوم 22 فبراير/شباط الماضي، والتي واصل التأكيد عليها لم يتحقق منها إلا القليل، رغم اعتراف الجميع -سلطة ومعارضة ومجتمعا دوليا- بمشروعيتها وضرورة الاستجابة لها، وبأن الحراك عبر عنها بطريقة سلمية حضارية.

ويتوقع خرشي أنه في حال تعنت السلطة في الاستجابة لمطالب الشعب ومحاولتها جره للعنف،فإن المتظاهرين سيلجؤون لأساليب أخرى مثل الاعتصام ودخول العاصمة مشيا على الأقدام.

ويعتقد خرشي أن الجزائريين لن يتوقفوا عن الاحتجاجات السلمية حتى تحقيق الحد الأدنى من مطالبهم وهو تنحي "الباءات الثلاث"، وهم الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح، ورئيس الوزراء نور الدين بدوي، ورئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، وتعويضهم بشخصيات مقبولة شعبيا.

وبالنسبة إلى المنسق الوطني للاتحاد الديمقراطي الاجتماعي كريم طابو، فإن مواجهات الجمعة الماضية بالعاصمة هي الحلقة الأولى من مخطط لكسر الحراك، وهو يتوقع التصعيد في تعامل الأجهزة الأمنية مع المحتجين في المسيرات المقبلة.

وفي السياق نفسه، يتوقع خرشي استمرار التضييق على المتظاهرين في بقية أيام الأسبوع، واعتقال نشطاء في الحراك، لكنه يستبعد تكرار سيناريو الجمعة الماضية، لأن طريقة العنف الممارسة على المتظاهرين كُشفت وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.

المصدر : الجزيرة