لوموند: الجزائر والسودان.. موجة جديدة من الثورات العربية

People chant slogans during a protest to push for the removal of the current political structure, in Algiers, Algeria April 5, 2019. REUTERS/Ramzi Boudina
بنيامين بارت: المآلات المأساوية لبعض الثورات العربية لم تكن كافية لثني الجزائريين والسودانيين عن الخروج للشارع (رويترز)

قالت صحيفة لوموند الفرنسية إن الحراك المناهض للرئيسين السوداني عمر البشير والجزائري عبد العزيز بوتفليقة أظهر أن الرغبة في التغيير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم يقض عليها ما آلت إليه الثورات العربية المؤسسة في عام 2011 من مصير ونهايات مختلفة.

وقال الصحفي بنيامين بارت في مقال بالصحيفة إن المصريين الذين ينتابهم الحنين إلى ميدان التحرير، بؤرة ثورتهم عام 2011، لم يناموا كثيرا في الأيام الأخيرة، وظلوا منغمسين في شبكات التواصل الاجتماعي يتابعون جيرانهم السودانيين دقيقة بدقيقة، ويقدمون لهم النصح والتشجيع.

صدى الربيع
وعلق بارت بأن هذه النصائح تتغذى من تجربة حزينة ذاقها المصريون الذين أعمتهم ثقتهم في جيشهم، بعد أن سرّع من سقوط الرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2011، فتخلى متظاهرو ميدان التحرير عن المكان، مما مهد الطريق لعودة النظام القديم بعد عامين ونصف في شخص الجنرال عبد الفتاح السيسي رئيس مصر الذي يحكمها اليوم بقبضة من حديد.

وهذا الحوار عبر الزمان والمكان بين الثوار السابقين بالقاهرة والمتظاهرين الحاليين في الخرطوم، يسلط الضوء -حسب الكاتب- على الخيط الذي يربط بين الحراك في السودان والحراك في الجزائر، وبين مسلسل الثورات العربية لعام 2011.

وعاد الكاتب ليؤكد أن هذه الموجة الثانية من الربيع العربي المتمثلة في الحراك المناهض للبشير والحراك المناهض لبوتفليقة تثبت من جديد أن التطلع إلى التغيير في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لم تقوضه المآلات المتنوعة للغاية والمأساوية في كثير من الأحيان التي أودت بالثورات العربية التي انطلقت عام 2011.

رفض عميق للاستبداد
وينسب الكاتب إلى طارق متري، مدير معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية ببيروت قوله إن "هذا يدل على أن رفض الأنظمة الاستبدادية، مهما أعقبه من شعور بالإحباط في بعض البلدان، لا يزال عميقا كما كان دائما، ولذلك من المهم العدول عن الوهم بأن العرب عندما يفشلون في ثوراتهم سيحنون إلى النظام القديم".

العودة إلى الاستبداد في أي مكان لن تضمن الاستقرار مطلقا (رويترز)العودة إلى الاستبداد في أي مكان لن تضمن الاستقرار مطلقا (رويترز)

وبصرف النظر عن تونس التي تمكنت من تطوير نظام سياسي شامل نسبيا، فإن البلدان التي شملتها حركات الاحتجاج قبل ثماني سنوات قد انتهت، إما إلى الحرب الأهلية كسوريا واليمن وليبيا أو إلى عودة الدكتاتورية كمصر والبحرين، كما يقول الكاتب، موضحا أن هذه المآلات لم تكن كافية لثني الجزائريين والسودانيين عن الخروج بدورهم إلى الشارع لمحاولة استعادة التحكم في مصيرهم بأنفسهم.

ونقل الكاتب عن المحللة السياسية مها يحيى مديرة مكتب مؤسسة كارنيغي في بيروت إن العالم العربي يواجه "اضطرابات تاريخية لأن نظام الحكم القديم الذي سيطر خلال السنوات الستين الماضية وصل إلى نهاية السباق دون معالجة الأسباب الهيكلية لأزمات 2011" مؤكدة أن "هذا هو السبب في تقدم الاحتجاج إلى الأمام".

وفي مقارنة بين "الربيعين العربيين"، قال الكاتب إن رفض الجزائريين للخطأ الفادح الذي ارتكبته حاشية بوتفليقة بترشيحه لولاية خامسة، كان صدى لرفض المصريين لتوريث حسني مبارك الرئاسة لابنه جمال وتحويل بلادهم إلى ملكية جمهورية، كما أن سخط السودانيين أمام ارتفاع ثمن الخبز ثلاثة أضعاف والذي تحول إلى مطالب بالحرية والعدالة والسلام، يشبه تماما غضب التونسيين بعد أن أشعل البائع المتجول محمد البوعزيزي النار في نفسه بعد أن أذلته الشرطة.

العقم السياسي
وفي العامين الأخيرين، أشارت العديد من الانفجارات الغاضبة، إلى أن نيران عام 2011 كانت لا تزال تحت الرماد -حسب الكاتب- كما حدث في منطقة مهمشة تاريخيا من قبل السلطة في الريف المغربي على سبيل المثال، وكما وقع في البصرة في جنوب العراق، وهي منطقة تعاني من الإهمال وفساد الدولة وتتوق إلى الحكم الذاتي.

ويقتبس الكاتب من بيتر هارلينغ، مدير مركز "سينابس" للتحليل في بيروت أن "العالم العربي يعيش منذ عشرين سنة في مناخ من الثورات بسبب العقم السياسي المطلق الذي يواجهه"، ويذكر هذا الباحث الذي يهتم بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية بأن ربيع بيروت في عام 2005 وفوز حماس المفاجئ بالمجلس التشريعي الفلسطيني كانت علامات تحذيرية من اندلاع الربيع العربي عام 2011.

ليس للأنظمة ما تقدمه
ويقول هارلينغ إن "الصدمات الجيوسياسية في ذلك الوقت مثل الحرب على العراق عام 2003 والحرب الثانية على لبنان في عام 2006 كانت تشتت الانتباه، ولكن في عام 2010 عندما خفتت حدة هذا التوتر، تصدرت قضايا الحكم بطبيعة الحال، ومهما يكن فإن الثورات ستعود ما دامت الأنظمة السياسية ليس لديها ما تقدمه، وقد يجرب الثائرون حتى الشيطان".

وخلص الكاتب إلى أن العودة إلى الاستبداد في أي مكان لن تضمن الاستقرار مطلقا، وأنه ما عدا دول الخليج الثرية واليمن وسوريا الممزقتين بالحرب الأهلية، ليس هناك من هو محصن إلى حين من الحمى الثورية، واستنتج أن نجاح اللواء المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا يعني حرمان ذلك البلد من تجربة تشبه ما حدث في تونس.

المصدر : لوموند