أصوات اليمين المسيحي والضعف العربي يبرران انحياز ترامب لإسرائيل

حكم ترامب يمثل علامة فارقة في علاقات واشنطن بإسرائيل (رويترز)
حكم ترامب يمثل علامة فارقة في علاقات واشنطن بإسرائيل (رويترز)

محمد المنشاوي-واشنطن

اتفقت أغلب آراء الخبراء الأميركيين على أن قرار الرئيس دونالد ترامب الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان لا يخدم مصالح واشنطن؛ فحتى أولئك الداعمين لإسرائيل استغربوا الخطوة، التي يمكن فهمها بالنظر للصراعات السياسية الداخلية.

ولا يترك ترامب فرصة إلا ويهاجم الحزب الديمقراطي، الذي يصوّت له تاريخيا أغلب اليهود الأميركيين، ففي الانتخابات الأخيرة حصلت الديمقراطية هيلاري كلينتون على أصوات أكثر من 70% منهم.

ويتهم ترامب الديمقراطيين بأنهم أقل دعما لإسرائيل من الجمهوريين ومنه شخصيا، وقبل أن يقرر الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان قال "لا أعرف ماذا جرى للديمقراطيين، لقد أصبحوا ضد إسرائيل واليهود".

وتغذي سياسات ترامب المتعلقة بالشرق الأوسط هذا التوجه، من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ثم قرار الجولان قبل أيام. ويرتبط ذلك بدعواته المتكررة لانسحاب اليهود من الحزب الديمقراطي ودخول حزبه، لكن حجم الصوت اليهودي في الانتخابات ليس كبيرا لأن أعداد يهود أميركا لا تتخطى 3% من إجمالي السكان البالغ 325 مليون نسمة.

وربما يسعى ترامب لأموال أغنياء اليهود، مثل الملياردير المتطرف شيلدون إيدلسون وغيره، بينما يؤكد كثيرون أن قرارات ترامب تهدف إلى مغازلة أصوات التيار المسيحي الصهيوني وإعادة انتخابه العام القادم.

ولفهم رؤية هذا التيار -الذي ينتمي إليه نائب الرئيس مايك بنس، ويضم أكثر من خمسين مليون أميركي- يجب فهم تأثر البروتستانتية باليهودية؛ فحركة المسيحية الصهيونية تؤمن بضرورة عودة الشعب اليهودي إلى أرضه الموعودة في فلسطين، وإقامة كيان يهودي فيها يمهد للعودة الثانية للمسيح وتأسيسه مملكة الألف عام.

ويرفض هذا التيار بوضوح وجود دولة فلسطينية على حدود ما قبل الخامس من يونيو/حزيران 1967، ويرفض عودة اللاجئين وأي حوار بشأن القدس.

كوشنر (وسط) له دور بارز في تحقيق مصالح إسرائيل بالبيت الأبيض (غيتي)

انتهاء الوساطة الأميركية
في تغريدة له عبر وسيط البيت الأبيض للسلام بالشرق الأوسط، علق جيسون غرينبلات على قرار ترامب بالقول "خطوة أخرى مهمة شجاعة وقرار تاريخي من الرئيس ترامب الذي يفهم إسرائيل واحتياجاتها الأمنية. شكرا سيادة الرئيس على قيادتك العظيمة".

ولم يخجل المبعوث من أن يتحدث كإسرائيلي يثني على قرار ترامب. ولم يكن استثناء، فقد ابتهجت الدوائر اليهودية والجماعات المسيحية الصهيونية بخطوات ترامب، إلا أن المدرسة الدبلوماسية الأميركية التقليدية، المؤيدة أيضا بشدة لإسرائيل، تحفظت على قرار ترامب.

ويرى دينيس روس، مسئول ملف الشرق الأوسط في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، أن القرار يجعل من الصعب على الدول العربية قبول خطة السلام الأميركية عقب انتهاء انتخابات إسرائيل الشهر القادم.

أما السفير السابق لواشنطن في تل أبيب مارتن إنديك فيرى أن قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل يمنح الفلسطينيين سببا لرفض الخطة قبل طرحها، وأن الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان يبرر للسعودية رفض الخطة.

أما مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى والقريب من منظمة آيباك روبرت ساتلوف، فقال "كأحد المدافعين والمؤيدين لنقل السفارة الأميركية للقدس منذ زمن بعيد، لا أرى أي حكمة أو حاجة لاعتراف واشنطن بسيادة إسرائيل على الجولان، أتصور أن القرار يؤدي إلى خلق مشكلة".

وأضاف أنه من الصعب تصور أن قرار الجولان يدعم خطة السلام، بل سيزيد الشكوك في "صفقة القرن".

مايك بنس من أبرز قادة اليمين المسيحي (الأوروبية)

 

دول عربية لا يكترث بحكامها
اختار العرب تجاهل خطاب ترامب المؤيد لإسرائيل، ولم تُقدم أي عاصمة عربية على الاعتراض عمليا على قراري القدس والجولان، حيث تخشى إغضاب ترامب الذي يمثل علامة فارقة في علاقات واشنطن بإسرائيل.

فمنذ البداية، أظهرت هوية مستشاري ترامب نية واضحة لتخطي كل من سبقه، فالسفير لدى إسرائيل ديفيد فريدمان وغرينبلات وجاريد كوشنر صهر ترامب، كلهم من عائلات يهودية متشددة تغدق الأموال لتوسيع الاستيطان في الصفة الغربية.

ومنذ صدور تشريع بالكونغرس عام 1995 يقضي بنقل السفارة الأميركية للقدس، يؤجل الرؤساء الأميركيون تنفيذ القرار كل ستة أشهر بذريعة "حماية المصالح القومية الأمنية للولايات المتحدة"، خوفا من خسارة الحلفاء العرب وللضغط على إسرائيل في أي مفاوضات.

إلا أنه ومنذ وصول ترامب للحكم، "لا يتوقف تشجيع بعض الحكام العرب لترامب من أجل استغلال حالة الضعف العربي غير المسبوق، والانقسام والتشتت الفلسطيني، من أجل تصفية قضية فلسطين"، كما ذكر سفير أميركي سابق للجزيرة نت، واصفا لقاء جمع رئيسا عربيا بمجموعة خبراء أميركيين، كما ينتظر أن تقود دول عربية الضغط على الفلسطينيين لقبول الواقع الجديد.

ويمثل ما تعانيه السعودية في واشنطن، إثر مقتل جمال خاشقجي ومن قبله تمرير قانون جاستا، واقعا جديدا يؤثر بالسلب على أي مطالب أو رغبة عربية في ردع واشنطن أو رفع تكلفة أي قرار أميركي يتعلق بالحقوق العربية.

يتبنى ترامب وفريقه مبدأ يعتمد على أنه من السذاجة "تكرار أحاديث الماضي واتباع المسارات نفسها وتوقع نتائج مختلفة"، في إشارةٍ إلى عملية سلام الشرق الأوسط المستمرة منذ أكثر من نصف قرن دون تحقيق تقدم.

ويعتقد أنصار هذا التيار أن "المبادئ القديمة، مثل الأرض مقابل السلام، أو حل الدولتين، أو أن القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، أصبحت أوهاماً يجب التمتع بالشجاعة لعدم الحديث عنها بعد الآن"، وتساعدهم في ذلك بعض العواصم العربية.

المصدر : الجزيرة