زين العابدين توفيق يكتب: هكذا رأيت نيوزيلندا بعد أيام من المذبحة

باقات الزهور ورسائل الوداع حزنا على من رحلوا (الجزيرة)
باقات الزهور ورسائل الوداع حزنا على من رحلوا (الجزيرة)
كصحفي، الشك عندي مقدم على التسليم بما يبدو واضحا لذي عينين. دائما ما أستخدم في حواري مع نفسي العبارة الإنجليزية “too good to be true” لا يمكن لهذا الجمال أن يكون حقيقيا. قلت ذلك أول ما قرأت وشاهدت قصص التضامن والحب والوحدة التي أبداها النيوزيلنديون في محنة مذبحة المسجدين في مدينة كرايست تشيرتش في الجزيرة الجنوبية لهذه الدولة النائية عن العالم بأسره وكأنها تقول لنا لكم عالمكم ولي عالمي. كنت أظن أن أستراليا بعيدة فإذا بنيوزيلندا تبعد عنها 1500 كيلومتر.

لم أكن أريد أن أصدق حتى بعد وصولي إلى كرايست تشيرتش ورأيت الورود والشموع تغشى بجلال الحزن والحداد سور حديقة البوتانيك في قلب المدينة والطوق الأمني المحيط بمسجد النور حيث وقعت المذبحة الأولى. قلت، وأنا القادم من منطقة تصحو على منشار وتنام على كرباج ومع ذلك لديها من الجرأة ما يكفي أن تتبجح للعالم وتقول له "أنتم مش هاتعلمونا إنسانيتنا"، لعلهم مثل غيرهم يراؤون. ثم قفزت إلى لساني عبارتي الأثيرة "too good to be true” ما كان لهذا الجمال أن يكون حقيقيا.

ثم وأنا مشغول بنوافذ الجزيرة وتغطياتها عند سور الحديقة فإذا بفتاة ترسم على وجهها بسمة صادقة لكن الحزن في عينيها أوسع من البسمة على شفتيها.

سألتني بلهجة عراقية لم تنل منها سنون الغربة إلا قليلا "إنتم الجزيرة؟" قلت نعم. قالت أنا آية العمري شقيقة الشهيد حسين العمري. تجمد لساني لم أعرف ما أقول؟ لم أتوقع أن يأتي إلي أقارب الضحايا بدل أن أبحث عنهم وأذهب إليهم. لم أدر ما أقول، ولفرط ذكائها عاجلتني بالإجابة "أشغل نفسي بالتنسيق مع الإعلام حتى لا يقتلني الحزن". أكثر ما أحزنني في هذه الرحلة هو الحزن الساكن في عيون هذه الفتاة وتحبسه بالابتسامات.

ثم قدمت لي والدها حازم العمري ووالدتها الخطاطة العراقية السيدة جنة عدنان أحمد عزت. عرفتها أول ما رأيتها فقد رأيت منشورها عن استشهاد ابنها حسين على صفحتها بفيسبوك قبل وصولي إلى نيوزيلندا بأيام.

لم يدم هذا اللقاء طويلا فسرعان ما تخاطفهم النيوزيلنديون وقد رأوها على التلفزيون الوطني. كانت هناك فتاة نيوزيلندية ورفيقها يمارسان الرياضة في الممشى المجاور لسور الحديقة حيث نقف نحن الإعلاميين، فتوقفت فور أن رأت السيدة جنة وقد انهمرت الدموع من عينيها حتى أغرقت وجنتيها وكادت تنهار في حضن السيدة جنة الشامخة في حزنها وحدادها كجداتنا. ثم اختفت السيدة جنة في كتلة من البشر يواسونها في شهيدها ووقفت معي آية لكن هذه المرة لم تستطع ابتسامتها الدائمة حبس الدموع في عينيها. ووقف معي الوالد حازم العمري فحدثته عن الموصل بلده التي لم تسلم مما حاق بالعراق.

‪صور من تضامن النيوزيلنديين مع ضحايا المجزرة‬ صور من تضامن النيوزيلنديين مع ضحايا المجزرة (الجزيرة)

ما حدث مع السيدة جنة عاينته أنا أيضا، الناس يستوقفونني في الشارع ليواسوني وكأنني أنا أيضا من أهالي الضحايا، وكانت دموعهم تسيل حينما أعزيهم أيضا. استوقفني النيوزيلنديون من أصول أوروبية يعتذرون ويقولون صادقين "ما حدث لا يمثلنا".

استوقفني شيخ من سكان الماوري الأصليين باكيا وهو يقول "هذا لا يعبر عني أو عن بلدي".

‪النيوزيلنديون من أجيال وطوائف شتى عبروا عن التضامن والوحدة في أعقاب المجزرة‬ النيوزيلنديون من أجيال وطوائف شتى عبروا عن التضامن والوحدة في أعقاب المجزرة (الجزيرة)

قبل السيدة جنة كنت قد التقيت بعائلة من جدة وأم وأب وابن وابنتين. الفتاتان غابي في المرحلة الثانوية وجينيفيف في الجامعة كانتا ترتديان حجابا أبيض اللون وتقفان في صمت أمام الورود والشموع، وقد ظهرت جينيفيف معي على شاشة الجزيرة. لكن بصراحة حتى هذه اللحظة لم أكن أكذّب أو أصدّق. كنت أقول حسنا فلنر.

في طريقي للفندق ليلتها استوقفني مشردون، كنت أتوقع أن يقولوا العبارة التي اعتدت سماعها في هذه الحالة وهي “change please” ولكنهم قالوا "نعتذر نحن آسفون قلوبنا معكم. هذا لا يمثلنا".

بعد خمسة أيام في نيوزيلندا أيقنت أن هذا الجمال حقيقي. It’s Too Good and Too True.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

طلب مجلس وايتاكي النيوزيلندية من نساء المنطقة لبس الحجاب غدا الجمعة لإظهار الدعم لمسلمي المقاطعة بعدما تعرض له إخوتهم في الدين بمسجد كرايست تشيرتش قبل أسبوع.

21/3/2019

قالت رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أردرن إن حكومتها تعمل على تعديل قوانين بلادها المتعلقة بحيازة الأسلحة بعد الهجوم “الإرهابي الصادم”، الذي وقع في مسجدين بمدينة كرايست تشيرتش يوم الجمعة الماضي.

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة