وسط جمود وتصعيد كلامي.. اتفاق الحديدة اليمنية مهدد بالانهيار

عناصر من الشرطة التابعة للحوثيين في مدينة الحديدة (رويترز)
عناصر من الشرطة التابعة للحوثيين في مدينة الحديدة (رويترز)

بعد ثلاثة أشهر من إبرامه في السويد برعاية أممية يواجه اتفاق وقف إطلاق النار في الحديدة اليمنية خطر الانهيار في ظل فشل أطراف الصراع في تنفيذ بنوده الأساسية لأسباب، بينها اختلاف التأويلات بشأنه، في حين تبرز مؤشرات على عودة محتملة إلى المواجهة العسكرية.

وأرسى الاتفاق هدنة لا تزال قائمة رغم وقوع اشتباكات محدودة في مدينة الحديدة ومناطق أخرى بالمحافظة بين الحوثيين والقوات الحكومية، كما اعتبر خطوة على طريق إنهاء الحرب المستمرة منذ أربع سنوات.

لكن تصاعد حدة التصريحات من الطرفين بشأن عرقلة تنفيذ اتفاق السويد أثار مخاوف من استئناف معركة السيطرة على الحديدة وموانئها الثلاثة التي أطلقها التحالف السعودي الإماراتي العام الماضي سعيا لانتزاع هذه المنطقة التي تشكل آخر أهم منفذ بحري لجماعة الحوثي على البحر الأحمر.

وأعطى الاتفاق -الذي تم التوصل إليه في ديسمبر/كانون الأول الماضي- جرعة من الأمل لملايين اليمنيين الذين يعتمدون على ميناء الحديدة بوصفه المنفذ الرئيس حاليا لدخول الأغذية والأدوية، وكان سيتيح إنشاء ممرات لدخول الاحتياجات الإنسانية الضرورية لسكان المحافظات الشمالية بما فيها العاصمة صنعاء.

كما أنه جنب المدينة ومرافقها الخدمية تدميرا وسعا، حيث توقفت القوات الحكومية عند مشارف الأحياء الجنوبية والشرقية للحديدة، في حين ظل الحوثيون مسيطرين على المدينة وموانئها الثلاثة.

وقبل أيام، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن رئيس "اللجنة الثورية العليا" محمد علي الحوثي تأكيده استحالة انسحاب قوات الحوثيين من الحديدة أو تسليم الميناء الرئيس للقوات الحكومية، مشيرا إلى أن الحكومة المعترف بها دوليا أساءت تفسير ما ورد في اتفاق ستوكهولم بشأن إعادة الانتشار في المدينة.

والأربعاء، رد المتحدث باسم الحكومة اليمنية راجح بادي باتهام الحوثيين بالتنصل من اتفاق وقف إطلاق النار، ودفع الوضع باتجاه القتال مجددا.

محمد علي الحوثي: الحكومة أساءت تفسير البند المتعلق بإعادة الانتشار في الحديدة (رويترز)

إعلان حرب
وفي مؤتمر صحفي بالعاصمة المؤقتة عدن رأى بادي في تصريحات القيادي محمد علي الحوثي -التي رفض فيها تسليم الحديدة ومينائها للقوات الحكومية- "إعلان حرب".

وقال المتحدث اليمني إن الحوثيين تخلوا رسميا عن اتفاق ستوكهولم من خلال التعزيزات العسكرية وشن الحروب، مشيرا إلى مواجهات وقعت بين جماعة الحوثي ومسلحين قبليين مناوئين لها يدعمهم التحالف السعودي الإماراتي في منطقة حجور بمحافظة حجة (شمال غرب)، وصدامات أخرى في الحشاء بمحافظة الضالع (جنوب).

وعلى مدى الأشهر الثلاثة الماضية حالت التأويلات المتضاربة دون تنفيذ بعض البنود، خاصة ما يتعلق بإعادة انتشار القوات في الحديدة، فالاتفاق نص على أن تدير "قوات محلية" ميناء الحديدة الرئيس وميناءي الصليف ورأس عيسى، ولكن لمن يجب أن تتبع هذه القوات؟

تؤكد الحكومة اليمنية أن قوات الأمن المحلية -التي نص الاتفاق على نشرها في مدينة الحديدة وموانئها- يجب أن تكون تابعة للحكومة الشرعية المعترف بها دوليا وفقا للقانون اليمني، لكن الحوثيين فسروا النص لصالحهم بحيث نشروا قوات تابعة لهم في الميناء الرئيس.

وأعلن الحوثيون لأول مرة أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي عن سحب قواتهم من ميناء الحديدة ونشر قوات خفر السواحل داخله، تنفيذا للمرحلة الأولى من بند إعادة الانتشار المتبادل.

لكن الحكومة اليمنية طعنت في العملية باعتبارها التفافا على اتفاق ستوكهولم، كما أن الأمم المتحدة اعتبرت لاحقا أنها لم تلحظ انسحابا حقيقيا لأي من الطرفين المتصارعين على الأرض.

وفي فبراير/شباط الماضي اتفقت الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي برعاية أممية على تنفيذ المرحلة الأولى من إعادة الانتشار التي يفترض أن تليها مرحلة ثانية تنسحب فيها قوات الطرفين بالكامل من محافظة الحديدة، لكن الوضع ظل تقريبا على حاله.

وبالإضافة إلى إعادة نشر القوات -التي لم تتم بعد- تعثر تنفيذ بند آخر مهم خاص بالأسرى والمعتقلين لدى أطراف الصراع، وكان يفترض أن يشمل التبادل نحو 15 ألف شخص، بينهم عسكريون سعوديون ومسلحون حوثيون، بيد أن المحادثات التي أجريت بهذا الشأن في العاصمة الأردنية عمان مطلع الشهر الماضي انتهت إلى خلافات بشأن القوائم الحقيقية للأسرى.

وفي إطار التصريحات التي توحي بانزلاق محتمل للأوضاع في الحديدة نحو الحرب مجددا، تحدثت جماعة الحوثي قبل أيام عن معلومات استخبارية تفيد بأن "العدو" يعد لتصعيد عسكري في الحديدة.

ووجه متحدث باسم الجماعة تهديدا للتحالف السعودي الإماراتي بقوله إن لدى الحوثيين صواريخ وطائرات مسيرة لضرب أهداف في الرياض وأبو ظبي في حال تم انتهاك وقف إطلاق النار بالحديدة.

ويأتي ذلك بينما تتواصل المعارك على جبهات عدة داخل اليمن، بما فيها جبهة الحد الجنوبي للسعودية، والتي شهدت الشهر الماضي مواجهات دامية بين القوات السعودية والحوثيين. 

حسابات مختلفة
وفي تصريحات للجزيرة الشهر الماضي، قال الخبير في شؤون الأمم المتحدة عبد الحميد صيام إن أكبر ما يعيق تنفيذ اتفاق الحديدة باليمن هو عدم وجود إرادة حقيقية لدى الأطراف المتصارعة للتوصل إلى سلام.

وأضاف صيام أن السعودية والإمارات ليستا على قلب رجل واحد في حربهما التي تخوضانها باليمن.

واعتبر أن من مصلحة السعودية إنهاء الحرب والخروج منها بأقل الخسائر، في حين أن للإمارات العربية حسابات مختلفة، فهي تسعى إلى السيطرة على موانئ اليمن وجزره، ولذلك فهي تعرقل تقدم عملية السلام.

وفي السياق، قال الصحفي والمحلل السياسي المختص في شؤون اليمن علي العبسي إن الحوثيين لن يرضوا بالخروج من مدينة الحديدة أبدا لأنها منفذهم البحري الوحيد.

كما قال إن انسحابهم منها يعني خسارة أموال كبيرة يحصلون عليها بفضل سيطرتهم على ميناء المدينة و"التجارة النفطية غير المشروعة" التي يمارسونها، حسب تعبيره.

المصدر : الجزيرة