رفض بيع سيناء لأميركا ومات من التخمة.. فاروق آخر ملوك مصر

محمود صديق-القاهرة

ربما لا يعرف كثيرون أن فاروق الأول -آخر ملوك مصر قبل ثورة يوليو/تموز 1952- رفض بشكل قاطع عرضا قدمته الولايات المتحدة الأميركية لشراء شبه جزيرة سيناء من أجل توطين اللاجئين الفلسطينيين الذين هجّروا من ديارهم بعد نكبة 1948.

ورفض فاروق -الذي تمر ذكرى وفاته اليوم- أي نقاش حول سيناء من الأساس، في إطار مشروع السياسي الأميركي جوردن كلاب من أجل البحث عن حل للقضية الفلسطينية، والمبعدين من أراضيهم التي احتلتها إسرائيل.

ففي عام 1950، عرضت الولايات المتحدة على مصر شراء سيناء، وتضمّن العرض -الذي قدمته إدارة الرئيس هاري ترومان إلى الملك فاروق- الحصول على سيناء من أجل توطين اللاجئين الفلسطينيين الذين تركوا ديارهم بعد حرب 1948.

ومؤخرا تصاعد الحديث حول توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء، وذلك في إطار ما يُعرف إعلاميا "بصفقة القرن"، في إشارة إلى مشروع الإدارة الأميركية للسلام، والذي تقول عنه تقارير صحفية إنه يستهدف تصفية القضية الفلسطينية بجعل القدس عاصمة لإسرائيل، ورفض حق عودة اللاجئين.

حياة فاروق -الذي ولد في 11 فبراير/شباط 1920، أي قبل 91 عاما من تنحي الرئيس المصري حسني مبارك عن الحكم- حفلت بالأحداث والمفارقات الغريبة والمثيرة والكثير من الإشاعات والافتراءات.

ألصق به إعلام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كل نقيصة، وحمّله كل مصائب مصر، لكن محبيه يقولون إنها كانت حملة "شيطنة" للعهد الملكي، وأن فاروق أثبت وطنيته برفض التشبث بالسلطة عندما تنازل عن الحكم لنجله الصغير أحمد فؤاد، وأن عهده كان الأفضل سياسيا والأقوى اقتصاديا.

فاروق -الذي كان آخر ملك يحكم مصر- عاش حياة البذخ ومات من التخمة، وقالوا عنه إنه "زير نساء"، في حين قال آخرون إنه سعى ليكون خليفة للمسلمين.

غريب الأطوار
يرجع أحمد مرتضى المراغي -آخر وزير داخلية لفاروق- سر غرابة أطوار الملك إلى نشأته منعزلا داخل القصر، فلا يتحدث إلا إلى والدته الملكة نازلي، ومربياته الثلاث: الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، ورفض والده الملك فؤاد الأول إرساله إلى أي مدرسة كي لا يختلط بأبناء المصريين، وجلب له معلمين داخل القصر.

ولفت المراغي في كتابه "غرائب من عهد الملك فاروق وبداية الثورة المصرية" إلى أن حرمان فاروق من صحبة الأطفال وانشغال أبيه بأمور المملكة المصرية ورؤيته لأمه تُضرب؛ خلقت عنده مركبات نقص لازمته طوال حياته.

وأكد المراغي في كتابه أنه رغم تصرفات فاروق المستهترة مع معلميه، فإنه كان جم الأدب مع كبار رجال الدولة، وشديد الاحترام لأمه، ولا يجلس إلا إذا جلست.

شب فاروق -حسب الكتاب- وهو يرى أن من حقه فعل ما يرضي شهوته علنا وسرا، وأن رئيس ديوانه الملكي أحمد حسانين باشا كان يرتب له الذهاب لنادي السيارات كي يلعب الميسر، وإلى "الأوبرج" بمنطقة حلوان ليلهو مع النساء، كي يشغل فاروق عن شؤون الدولة وتكون في يده.

ويؤكد الكاتب أن فاروق لم يكن "زير نساء" بالمعنى الحقيقي، ولكنه كان يتظاهر بذلك ليعوض نقصا في رجولته، حيث أجرى جراحتين لإصلاح عيب جنسي.

أوقات عصيبة
رغم الحياة المستهترة التي وضع فيها فاروق نفسه، فإنه مرّ بمنعطفات في حياته هزته هزا، وأدخلته في طور آخر مثلما حدث معه في الرابع من فبراير/شباط 1942.

فعقب استقالة حكومة حسين سري، تدخل السفير البريطاني بالقاهرة طالبا من الملك استدعاء زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس لتشكيل الوزارة الجديدة بصفته زعيم الأغلبية، وذلك لاحتواء مظاهرات مناوئة للإنجليز تهتف منادية القائد الألماني الذي وصل بقواته عند العلمين داخل الحدود الغربية: "إلى الأمام يا روميل".

بعد تباطؤ الملك في القبول، ورفضه إنذارا من السفارة، حاصرت الدبابات الإنجليزية القصر، وخيّرت الملك بين قبول النحاس أو توقيعه على وثيقة تنازل عن العرش، واضطر في النهاية للرضوخ.

هزت الحادثة فاروق هزا عنيفا، وقرر التقرب من التيارات الإسلامية، والسمت الديني؛ فأطلق لحيته، وشوهد يصلي كثيرا في المساجد بين الشعب، وكثف اهتمامه بالقضايا الإسلامية، وراوده حلم توحيد الدول الإسلامية، وتنصيبه خليفة للمسلمين.

تعاطف الشعب مع فاروق كثيرا بعد الحادث، في مقابل تراجع شعبية حزب الوفد لقبوله رئاسة الوزارة على أسنة الحراب البريطانية، بل ووصل الأمر إلى ما ذكره حسنين هيكل في مقال له بعنوان "الانقلاب العسكري الأول في السياسة المصرية" أن قادة المظاهرات الوفدية التي حملت النحاس إلى مقر الوزارة قاموا بحمل السفير البريطاني لدى مصر مايلز لامبسون.

الحادثة الثانية التي هزت فاروق كانت قبل مرور عامين على الأولى، وتمثلت في اصطدام سيارة الملك التي أهداها له الزعيم النازي أدولف هتلر عام 1938 بسيارة مقطورة عسكرية إنجليزية بمنطقة القصاصين قرب الإسماعيلية.

كاد الحادث أن يودي بحياته، ونقل إلى معسكر المنشآت الهندسية الذي وقعت أمامه الحادثة، وبعد انصراف الطبيب الإنجليزي قال لمن حوله لا أريد شيئا من هؤلاء، فحملته السيارة إلى المستشفى العسكري، ليكتشفوا كسرا في عظمة الحوض أسفل البطن.

رفض فاروق عرض أحد كبار الجراحين الإنجليز بإجراء العملية، مفضلا انتظار الجراح المصري علي إبراهيم باشا الذي جاء بالطائرة من القاهرة، وكان فاروق سعيدا رغم ألمه –حسب شهادات ممن كانوا معه هذا اليوم- بمشهد إسراع الضباط والجنود المصريين المرابطين بالمنطقة في إحاطة المستشفى من تلقاء أنفسهم لحراسته، وكذلك زحفت الجماهير -حسب روايات عدة- فور علمها بالحادث نحو المستشفى وأحاطت بها طوال فترة إقامة الملك.

مغادرة مصر
استمر فاروق على عرش مصر حتى أطاح به تنظيم الضباط الأحرار الذي قام بثورة 23 يوليو/تموز 1952، حيث تم إجباره على التنازل عن العرش لابنه الطفل أحمد فؤاد الذي كان في عامه الأول آنذاك، علما بأن فؤاد فقد عرشه لاحقا في منتصف العام التالي بتحويل مصر من ملكية إلى جمهورية.

واختار فاروق الإقامة في العاصمة الإيطالية روما، وكان يتنقل منها إلى دول أوروبية أخرى، مثل فرنسا وسويسرا، حتى وافته المنية.

وفاة غامضة
في الواحدة والنصف من صباح 18 مارس/آذار 1965 أعلنت وفاة آخر ملوك مصر، إثر تناوله وجبة عشاء دسمة في مطعم "إيل دي فرانس" الشهير بروما، وقيل إنه اغتيل بسم مدسوس في كوب عصير على يد إبراهيم البغدادي، الذي كان يعمل بنفس المطعم، لكن الأطباء الإيطاليين قرروا أن بدانة فاروق، ومعاناته من ضغط الدم المرتفع، وضيق الشرايين؛ هي السبب في الوفاة.

فقد قيل إنه في تلك الليلة أكل "دستة" من المحار، وكمية من الجمبري، وشريحتين من لحم العجل، مع بطاطس محمرة، وكمية كبيرة من الكعك المحشو بالمربى والفاكهة. ورفضت أسرته تشريح جثة الملك، مؤكدة كلام الأطباء بأنه مات من التخمة، لتترك باب التفسيرات حول أسباب وفاته مفتوحا للأبد. 

تعنت أمام الوصية
كانت وصية فاروق أن يُدفن في مسجد الرفاعي إلى جوار أبيه وجده، إلا أن الرئيس جمال عبد الناصر رفض هذا الطلب، لكن بوساطة من الملك فيصل ملك السعودية، وصهر فاروق وزير الحربية الأسبق إسماعيل شيرين تمت الموافقة على دفنه سرا، لكن في مقبرة إبراهيم باشا بمنطقة الإمام الشافعي خلافا لوصيته، إلى أن جاء الرئيس أنور السادات، وقبل طلب أسرته بتنفيذ وصيته، ونقل إلى مسجد الرفاعي بجوار والده وجده.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

توفيت الأميرة فريال ابنة الملك فاروق والملكة فريدة يوم الأحد في أحد مستشفيات جنيف بسويسرا عن 71 عاما. وولدت فريال في مدينة الإسكندرية يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1938.

بيعت في الولايات المتحدة قطعة نقدية أميركية نادرة كانت ضمن مجموعة العملات التي كان يحتفظ بها الملك المصري الراحل فاروق بمبلغ ثلاثة ملايين و737500 دولار. وقد انتقلت القطعة بين عدة أشخاص إلى أن استقرت لدى الشخص الذي اشتراها الخميس الماضي.

المزيد من تاريخي
الأكثر قراءة