في بضع سنين.. ما الذي تغير في القرم؟

وقفة احتجاجية في مايو/أيار 2018 دعما للقرم وتتار القرم (الجزيرة نت)
وقفة احتجاجية في مايو/أيار 2018 دعما للقرم وتتار القرم (الجزيرة نت)

صفوان جولاق-كييف

خمس سنوات مرت على ذكرى ضم روسيا شبه جزيرة القرم (جنوب أوكرانيا)، بما حملته هذه السنون من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، عانى -ويعاني- منها سكان شبه الجزيرة المناوئون لروسيا قبل غيرهم.

فتتار القرم في فوهة المدفع كمناوئين "للاحتلال" الروسي، الذي يمثل مأساة جديدة يواجهونها، وتدفع بعضهم إلى هجرة ثانية -كما يقولون- بعد تهجيرهم القسري عن الإقليم عام 1944.

حياة الشاب إلفير مثال حي على هذه المعاناة، فقد ترك القرم بحثا عن عمل في مدينة لفيف (غرب أوكرانيا)، ويجد صعوبة بالغة في التنقل وزيارة منطقته، خاصة أنه يخشى المساءلة على الحدود، حول أسباب خروجه وعمله وعيشه في أوكرانيا مع جميع أفراد أسرته.

إسكندير بارييف: رسميا نزح أكثر من 35 ألفا من القرم والعدد الحقيقي أكبر من ذلك بكثير (الجزيرة نت)

تغيير ديمغرافي
وإلفير واحد من آلاف التتار الذين غادروا أراضي القرم طوعا أو كرها بعد احتلاله، مؤكدين أن روسيا تعمل على تغيير الوضع الديمغرافي في الإقليم.

ووفقا لرئيس "مركز موارد تتار القرم" إسكندير بارييف في حديث للجزيرة نت فقد "تم بحسب أرقام رسمية تسجيل أكثر من 35 ألف نازح عن القرم في أوكرانيا، والأعداد الحقيقية تزيد على هذا العدد بنحو ثلاثة أضعاف، لأن كثيرين لم يسجلوا أنفسهم كنازحين، هذا بالإضافة إلى آلاف غادروا البلاد، منهم نحو ثلاثة آلاف في تركيا".

غايانا يوكسيل مستشارة وزير الشباب والرياضة، وعضو مجلس شعب تتار القرم، تقول للجزيرة نت إن "إحصاءاتنا تؤكد أن روسيا وطنت نحو ثمانمئة ألف روسي في القرم، وهذا يختلف عن الإحصائية الرسمية التي تتحدث عن انتقال مئة ألف روسي فقط للعيش هناك".

وتشير يوكسيل إلى أن عدد سكان القرم أصبح 2.4 مليون نسمة بعد احتلاله، بعدما كان يقدر بنحو مليونين، رغم تراجع معدل الولادات مقابل الوفيات.

اضطهاد المناوئين
وفي سياق متصل، يتحدث المسؤولون الأوكرانيون بزخم -وفي أي مناسبة أو لقاء- عن نهج خاص تستخدمه روسيا لإسكات وإبعاد معارضي سلطاتها في القرم.

تقول يوكسيل "خلال خمس سنوات، قتل 17 شخصا من تتار القرم، و19 آخرين لا زالوا في عداد المفقودين، بالإضافة إلى اعتقال ومحاكمة مئة شخص، معظمهم نشطاء ورموز ثقافية، إلى جانب أسر 24 بحارا أوكرانيا بعد حادث الاعتداء على سفن أوكرانية في البحر الأسود نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2018".

ولفتت أيضا إلى أنه "تم توثيق ألف عملية مداهمة وتفتيش استهدفت بيوتا ومساجد قرمية تترية، يصاحبها اتهام وشتم عنصري وتكسير، بهدف بث الذعر والخوف في النفوس"، كما تقول.

 وقفة احتجاجية دعما لتتار القرم ضد "الاحتلال" الروسي (الجزيرة نت)

عسكرة القرم
وعلى كل منبر دولي، تكرر أوكرانيا التحذير من تنامي الوجود العسكري في شبه جزيرة القرم، وتحول أراضيه إلى مساحات واسعة لانتشار أعداد متزايدة من الجنود، وأحدث وأخطر الأسلحة.

وفي هذا الشأن، يقول إسكندير بارييف إن روسيا "نقلت 32.5 ألف جندي إلى القرم، وقامت بترميم المواقع العسكرية التي تركها الاتحاد السوفياتي، ونقلت منظومة صواريخ "إس 400" و"إسكندر"، بالإضافة إلى 88 نظاما مدفعيا، و372 آلية مدرعة و113 طائرة مقاتلة و62 مروحية وست سفن وست غواصات.

وألمح إلى أن روسيا تقوم ببناء جسور ومطارات في القرم، لا لأهداف مدنية فقط، بل عسكرية إستراتيجية أيضا، كما لم يستبعد أن تكون روسيا نقلت بعض الأسلحة النووية إلى أراضي القرم.

عسكرية القرم -بحسب بارييف- لم تصل إلى ما كانت عليه في زمن الاتحاد السوفياتي، لكنها -دون شك- تشكل تهديدا كبيرا لأوكرانيا وعموم القارة الأوروبية، وصولا إلى الشرق الأوسط.

أثر العقوبات
ورغم هذه التهديدات، وحقيقة أن الوجود العسكري الروسي أصبح الأكبر في أراضي شبه الجزيرة ومنطقة شمالي البحر الأسود، فإن العقوبات هي السلاح شبه الوحيد الذي تشرعه الأطراف المعنية في وجه موسكو.

عقوبات قد يراها الشارع الأوكراني غير كافية، ولم تأت بأي نتيجة سعيدة تعيد القرم إلى الحضن الأوكراني قريبا، لكن المسؤولين يرون فيها استنزافا بطيئا لقدرات روسيا، سيؤثر فيها، ولو بعد حين.

تقول غايانا يوكسيل "لا يمكننا تجاهل دور العقوبات؛ فروسيا لم تستطع أن تصنع من القرم وجها حضاريا لها، وشبه الجزيرة تحولت إلى أرض تهدد الاقتصاد الروسي بشكل كبير".

وأوضحت أن "روسيا تخصص ملياري دولار سنويا لإبقاء القرم تحت سيطرتها، والعدوان الروسي على أوكرانيا، بما في ذلك على القرم وإقليم الدونباس شرقا، كلف روسيا نحو مئة مليار دولار حتى الآن، وتتحمل الكثير من الخسائر نتيجة العقوبات العامة والعقوبات المفروضة على بعض الشخصيات البارزة في النظام الروسي".

الأمر يحتاج وقتا -بحسب يوكسيل- قد يصل إلى 25 عاما وفق خبراء أميركيين، وتستشهد على ذلك بالعقوبات التي فرضها الغرب على الاتحاد السوفياتي بعد حرب أفغانستان، وأدت إلى انهياره، ولكن بعد عشر سنوات، كما ترى.

غايانا يوكسيل: تم توثيق أكثر من ألف حالة مداهمة استهدفت بيوتا ومساجد للتتار في القرم (الجزيرة نت)

حاجة للمزيد
ومع ذلك، يؤكد الساسة الأوكرانيون الحاجة إلى فرض مزيد من العقوبات، وإلحاقها بإجراءات أخرى أكثر ردعا في مواجهة "العدوان الروسي" وطموحات بوتين، كما يقولون.

وبحسب إسكندير بارييف فإنه "لا يمكن تجاهل أهمية العقوبات بشكل كامل، وهي خيار وحيد للدول في مواجهة العدوان الروسي، لأن أحدا لا يريد المواجهة المباشرة مع روسيا".

وأضاف أن "روسيا اتخذت من الأراضي الأوكرانية في القرم والدونباس خطوة أولى لممارسة عدوانها، ونعتقد أن دولا أخرى ستأتي ضمن خطواتها التالية؛ والغرب يصعد شيئا فشيئا ضدها، فقد ألغى مؤخرا معاهدة الشراكة الإستراتيجية مع موسكو، على سبيل المثال".

أما غايانا يوكسيل فتقول إن "أوكرانيا ليست الدولة الوحيدة التي عانت من العدوان الروسي، فقد سبق أن مارس الاتحاد الروسي عدوانه في جورجيا وأوسيتيا الجنوبية، وإذا فكر الغرب في أمنه، فعليه أن يتخذ العديد من الإجراءات الرادعة، وما العقوبات إلا واحدة منها".

جزيرة محررة
وعن المستقبل الذي ينشده الأوكرانيون والتتار للقرم، تقول غايانا يوكسيل "نتطلع بتفاؤل إلى المستقبل، عندما سنعود جميعنا إلى شبه الجزيرة المحررة من الاحتلال الروسي".

"القرم أرض أوكرانية، كانت ويجب أن تبقى كذلك، تعيش فيها أجيال وأطياف المجتمع الأوكراني بانسجام وتعايش"، على حد قولها.

المصدر : الجزيرة