السوريون في مصر.. قصص نجاح على هامش اللجوء

أحد المطاعم السورية في القاهرة (الجزيرة)
أحد المطاعم السورية في القاهرة (الجزيرة)

محمد سيف الدين-القاهرة

قبل ست سنوات، ترك أبو طلال موطنه سوريا هربا من الحرب التي لم تتوقف رحاها منذ تسع سنوات، مخلفا وراءه ذكرياته الجميلة في ريف دمشق، والتي يتجدد أمل العودة لها في كل عام.

فتح أبو طلال بعد عامين من وصوله إلى مصر مطعما شهيرا للمأكولات الشامية بمدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة (غرب العاصمة المصرية القاهرة)، بمساعدة ثلاثة سوريين آخرين هربوا معه، إضافة لشريك مصري.

يقول السوري الخمسيني للجزيرة نت إنه فضل الذهاب إلى مصر لأن المهاجرين -وخاصة السوريين- ينعمون باندماج كامل مع المصريين، فلا مخيمات ولا قيود على أماكن المعيشة أو العمل، موضحا أن ذلك لا يتوفر في أغلب الدول العربية.

تبدو حياة أبو طلال ميسرة، لكنه أكد أن الإصلاحات الاقتصادية في مصر -في إشارة لقرار تحرير صرف العملة المحلية مقابل الدولار الأميركي الصادر في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2016- أثرت بشكل كبير على دخله اليومي الذي تحفّظ على ذكره.

ويشير في حديثه للجزيرة نت إلى أن زيادة الأسعار في مصر أدت إلى انخفاض أعداد المترددين على المطعم، بسبب انخفاض القوة الشرائية للجنيه المصري، فضلا عن لجوئه لرفع الأسعار بعد زيادة تكاليف العمل من إيجار المحلات ورواتب العمال والمستلزمات، موضحا أن ذلك يشكل عائقا للتوسعات المستقبلية التي كان يخطط لها.

السوريون عنصر فعال في اقتصاد مصر رغم التحديات (الجزيرة)

وارتفعت الأسعار في مصر منذ "التعويم" وحتى الآن نحو 300%، ومن المتوقع أن تزيد النسبة في الشهور المقبلة، حيث سيصل سعر الدولار بنهاية العام الجاري إلى نحو 19.6 جنيها، وفق توقعات وحدة البحوث بشركة "إتش سي" لتداول الأوراق المالية.

مشروعات صغيرة
ومن لم يستطع الخروج من سوريا بأمواله كما فعل أبو طلال، سعى لافتتاح مشروعات صغيرة مثل الأربعيني كريم الباشا.

يقول الباشا للجزيرة نت إنه كان يمتلك مصنعا للملابس في دمشق، ولكنه أغلقه في ظل غياب أي حل قريب للصراع في بلاده، وعندما وصل مصر استأجر محلا للخياطة، مضيفا "بدأت من الصفر كما يقول المثل المصري".

ويؤكد كريم أنه رغم مرارة العيش خارج الوطن، فإن أغلب السوريين لا يجدون بديلا سوى الاستمرار بالإقامة في الخارج، وعدم العودة خوفا من مواجهة الموت.

ويفضل أغلب السوريين مصر لأنهم يستطيعون العمل فيها دون تصاريح، وهذه ميزة لا يجدونها في العديد من الدول العربية الأخرى، ولا يعرضهم ذلك للمساءلة القانونية أو العقوبة أو الترحيل.

وتطور الأمر مع الباشا وتوسعت أعماله، وتمكن من افتتاح محل لبيع الأقمشة والعبايات السورية المطرزة، في منطقة أسواق الغورية وسط القاهرة.

استثمارات السوريين تنعش أسواق مصر (الجزيرة)

ويقول "بعدما ادخرت مبلغا من المال، وبمشاركة صديقي لي، اتفقنا مع أخي -الذي لم يستطع الالتحاق بي- أن يرسل لي الأقمشة ثم نقوم بإتمام المنتجات هنا ليصبح المنتج كله سوريا".

ويعد محل الباشا واحدا من بين خمسين محلا آخر للسوريين في شارع أسواق الغورية، الذي يعد قِبلة الفتيات الباحثات عن مفروشات بأذواق وألوان تشبه تلك التي لطالما شاهدناها في المسلسلات السورية والتركية.

قصص نجاح
ورغم أن قصص السوريين مليئة بالنجاح في ميادين العمل، فإن مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين حذرت من أن 80% من اللاجئين في مصر يعيشون في أوضاع إنسانية بائسة.

وكشف المفوض الأممي لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي -في مارس/آذار الماضي- أن "برامج اللاجئين الحالية في مصر والهادفة لمساعدة وحماية ربع مليون لاجئ، أكثر من نصفهم من السوريين، إضافة إلى آخرين من السودان وإثيوبيا وإريتريا وجنوب السودان واليمن؛ لا تحصل سوى على 4% من التمويل المطلوب لها".

ولفت إلى أنه بعد انقضاء شهرين من 2019، تعمل المفوضية بجزء بسيط جدا من ميزانيتها السنوية البالغة 104 ملايين دولار، لدعم وحماية اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر.

ويبلغ عدد السوريين الذين قصدوا مصر حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2018 حوالي 242 ألف لاجئ (40% منهم أطفال، والعديد دون مرافقين ولا يزالون منفصلين عن عائلاتهم)، وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيما ترفع بعض التقديرات الإعلامية هذا العدد إلى نحو ثلاثة أضعاف، ليشكلوا بذلك أكبر جالية في المحروسة.

ويتجه السوريون في مصر إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، ليتم منحهم بطاقة إقامة لستة أشهر، ويقيدون كلاجئين، ثم بعد ذلك تخاطب وزارة الخارجية المصرية وزارة الداخلية لتقنين أوضاعهم، إلى حين حصولهم على الإقامة، وفور خروجهم يتم إلغاء إقامتهم تماما.

ويتمركز السوريون في عدة محافظات مصرية، وبحسب ترتيب كثافتهم السكانية، تأتي مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة (غرب) في المقدمة، ثم مدينة العبور بمحافظة القليوبية (شرق)، والعاشر من رمضان بمحافظة الشرقية (شمال)، ودمياط الجديدة (شمال).

ومع طول أمد الحرب في سوريا، استطاع المهاجرون السوريين النفاذ إلى صلب البنية الاقتصادية المصرية، من خلال افتتاح الكثير من المشاريع التجارية التي تركزت بشكل أساسي في مجال المأكولات السورية التي اكتسبت شعبية كبيرة، فضلا عن مجالات الغزل والنسيج والملابس الجاهزة.

ارتفاع الاستثمارات
وخلال العام الماضي، زادت الاستثمارات السورية بمعدل 30% مقارنة بالعام 2017، بقيمة نحو سبعين مليون دولار.

ووصل عدد الشركات المؤسسة من قِبل السوريين خلال الشهور التسعة الأولى من 2018 إلى 818 شركة، وهو ما يُمثل ربع الشركات المؤسسة بواسطة أجانب في الفترة نفسها.

هذه الأرقام، دفعت المستشار الاقتصادي للبنوك الأميركية نبيل زكي لانتقاد الشباب المصري، واتهامهم بالكسل و"الدلع".

فقد قال خلال لقائه مع إحدى القنوات الفضائية الخاصة إن "معظم الشباب المصريين على المقاهي يدخنون الشيشة، والشباب السوريون جاؤوا كي يعملوا في مصر ويكسبوا.. الشباب تعود على الكسل، نريد من الحكومة أن تقوم بعمل كل شيء، والدعم هو السبب فيما وصلنا إليه". 

لكن آخرين رفضوا كلام المستشار الاقتصادي، وأشاروا إلى أن الشباب المصري ليس كسولا ولا عاجزا، لكنه يعاني من شح الفرص وضعف الإمكانات، وحمّلوا الحكومة مسؤولية توفير فرص العمل، وتيسير إنشاء المشاريع الاقتصادية للشباب.

المصدر : الجزيرة