الديمقراطية في خطر.. شبكات التواصل تهدد المجتمع الحر

الديمقراطية تعقد الآمال على الدور الذي تضطلع به شبكات التواصل الاجتماعي (الأناضول)
الديمقراطية تعقد الآمال على الدور الذي تضطلع به شبكات التواصل الاجتماعي (الأناضول)

حذر وزير دانماركي سابق من أن مستقبل الديمقراطية في خطر، ويعود ذلك في جزء منه إلى تعدد شبكات التواصل الاجتماعي التي استُحدثت خلال العقود الثلاثة الماضية.

ويقول وزير الدولة السابق بوزارة الخارجية الدانماركية جورجن أويرسترويم مولر إن شبكات التواصل الاجتماعي منحت الإنسان قدرا من السلطة لم يعهدها من قبل، وعليه الآن أن يستغلها بحكمة.

ويضيف في مقال بمجلة ناشونال إنترست الأميركية أن على المجتمعات البشرية أن تسعى الآن لتبني نهج شامل ومدروس لحماية حرية التعبير.

وتساءل مولر -وهو باحث في معهد دراسات جنوب شرق آسيا في سنغافورة- عما إذا كان بمقدور الشبكة العنكبوتية أن تحقق التماسك المجتمعي، وعما إذا كان بإمكانها نقل القيم التي تحكم حرية الحصول على المعلومات في دولة ما ذات ثقافة واحدة وديانة واحدة إلى دول العالم الأخرى ذات ثقافات وعرقيات وديانات متعددة.

ويتابع قائلا إن ذلك السؤال يبين طبيعة المعركة الوجودية الدائرة بشأن الرقابة على تلك الشبكات، ويلمح ضمنا إلى أن السلطة في هذا الخصوص بيد أولئك الذين يتحكمون ويديرون شبكات التواصل الاجتماعي.

طروح ثلاثة
ويذكر الكاتب ثلاثة طروح رئيسية في هذا الصدد: أولها يتعلق بالطرف الذي يحدد المعايير الفنية، مثل الجهة التي تملك الشبكات ومن يتحكم في الوصول إليها.

والإجابة عن ذلك -برأي جورجن مولر- هي أن شركات الإنترنت الكبرى هي التي تدير الأمور، كالشركات الأميركية الخمس العملاقة (آبل، وألفابت، ومايكروسوفت، وفيسبوك، وأمازون)؛ والأخوات الصينيات الكبرى (بايجو، وعلي بابا، وتنسينت)؛ أما جمهور المواطنين والنظام السياسي فهم خارج الصورة.

مستقبل الديمقراطية في خطر، ويعود ذلك في جزء منه إلى تعدد شبكات التواصل الاجتماعي التي استُحدثت خلال العقود الثلاثة الماضية

ودرجت تلك الشركات على توسيع أنشطتها بعيدا عن عملياتها التجارية الرئيسية، فقد شرعت غوغل وفيسبوك وأمازون مؤخرا بالاستثمار في الكابلات البحرية، وتبنى كل من فيسبوك وأمازون كابلات خاصة بها لدعم أنشطتها السحابية.

والطرح الثاني يختص بالعلاقة بين الدولة والشركات التي تقدم الخدمات للجمهور.

ويعتقد مولر أن المؤسسات العشر الأولى في تقديم البيانات أقوى في مجالات كثيرة من الدول القومية، فهي التي تقرر ما الذي ينبغي بثه عبر الشبكات.

كما أن باستطاعتها السماح باستخدام شبكاتها بطريقة تتيح التأثير في المخرجات، مثلما تجلى ذلك في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2016.

ويمضي كاتب المقال إلى التذكير بأن القوى العالمية الكبرى -الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي- تتعامل مع هذه المسألة كل بطريقته؛ فالولايات المتحدة اختارت على ما يبدو توحيد مصالح شركاتها مع مصلحة الدولة، مما يجعل من العسير التمييز بينها.

أما الصين ودول الاتحاد الأوروبي فقد لجأت إلى تشديد رقابة الدولة على شركات جمع البيانات.

وثالث الطروح التي أشار إليها مولر، تلك التي تتناول كيفية تأمين المعلومات التي تنشر على الإنترنت، وتلبية الحد الأدنى من المعايير لدرء "الأخبار الكاذبة".

ويحدد الكاتب ثلاثة أشياء يرى أنها أحدثت تحولا في قواعد اللعبة هي:

1- التأثيرات التعاقبية أو المتسلسلة: ويتمثل ذلك في مليارات الرسائل عبر الإنترنت وسرعة بث ونقل المعلومات مع غريزة الميل إلى الانطباع الأول، كل ذلك يضفي على الشبكة العنكبوتية قدرة هائلة على صياغة عقول الناس، مما يجعل من الصعوبة بمكان تمرير محاولات تصحيح المعلومات الملفقة والأخبار الكاذبة.

2- العولمة: إن المعايير والقواعد التي تتحكم فيما ينبغي قوله على الملأ ليست نفسها التي تطبق بالضرورة في الدول الأخرى، ولا سيما عندما تفرض ديانة مهيمنة أو عرقية غالبة في دولة ما سطوتها على الأعراف السائدة فيها. فعلى المستوى القومي، فإن القومية أو الوطنية تعد عامل تعزيز للوحدة، لكنهما -على الصعيد العالمي- تزرعان بذور الانقسام بل حتى الصراعات.

على شبكات التواصل أن تدرك أن المبالغة في التحكم يما يُنشر قد يحولها إلى منصات استبدادية، وأن الحرية غير المنضبطة قد تجعل منها ساحة لبث الأخبار الكاذبة

فما الطرف الذي يستحق ثقة الناس؟ سؤال يطرحه مولر ويستطرد قائلا إن الطبقة الحاكمة هي التي كانت تبت في صحة ومصداقية الأخبار، وذلك قبل ظهور شبكات التواصل الاجتماعي، وما تزال تحاول القيام بهذا الدور اليوم.

ففي بعض الحالات، أغلقت الحكومات مواقع إلكترونية اعتبرتها تمثل "خطرا"، وهو الأسلوب الذي يُعرف اصطلاحا بالرقابة.

كما أن شركات مثل فيسبوك تحول دون نشر محتويات بعينها، لكن لا أحد خارج فيسبوك يعرف بالضبط ما المعايير التي تتبعها الشركة في هذا الخصوص، كما لا يدري أحد ما إذا كانت فيسبوك توالي الحكومة أم تعارضها.

العامل الحاسم
أخيرا، فإن الديمقراطية تعقد الآمال على الدور الذي تضطلع به شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى مراعاتها لمسألتين اثنتين:

الأولى: على تلك الشبكات أن تدرك أن المبالغة في التحكم بما يُنشر قد يحولها إلى منصات استبدادية. وعلى الجانب الآخر، فإن الحرية غير المنضبطة -التي تؤسس لمنصة لحرية التعبير وتثير كوامن الإبداع- قد تجعل منها ساحة لبث الأخبار الكاذبة.

ويشدد مولر في مقاله على ضرورة أن يتولى شخص ما تصميم نظام يفسح المجال للاستفادة من تلك الإيجابيات، ويغلق الباب أمام المخاطر.

الثانية: ينبغي تكليف مواطنين لتصميم مثل هذا النظام لأنهم هم المستخدمون الرئيسيون للإنترنت، وهم من سيعانون أكثر من غيرهم إذا خضع النظام لرقابة استبدادية، أو إذا هيمنت عليه أخبار كاذبة.

المصدر : الصحافة الأميركية

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة