انتخابات الرئاسة في أوكرانيا.. هذه الأمور قد تقلب المعادلة

انتخابات الرئاسة في أوكرانيا.. هذه الأمور قد تقلب المعادلة

دعاية انتخابية للرئيس الأوكراني الحالي كتب فيها "المرشحون كثر والرئيس واحد" (الجزيرة)
دعاية انتخابية للرئيس الأوكراني الحالي كتب فيها "المرشحون كثر والرئيس واحد" (الجزيرة)

صفوان جولاق-كييف

كثيرة هي العوامل التي تلعب أدوارا في سير ونتائج أي انتخابات أوكرانية، وتلعب على وترها برامج وتصريحات المرشحين، بل إن هذه العوامل كانت -ولا تزال- أساسا وإطارا لا تتجاوزه غالبا البرامج والوعود الانتخابية.

من هذه العوامل ما هو قديم باق، لكن تأثيرها قد يختلف بحسب المرحلة التي تمر بها البلاد، ومنها ما هو جديد فرضته متغيرات المشهد الأوكراني خلال الأعوام الخمسة الماضية.

الديموغرافيا
من أبرز هذه العوامل وأقدمها توزع الأقاليم جغرافيا، وما يرتبط بهذا التوزع من عوامل أخرى، كالثقافة واللغة والروابط الاجتماعية.

من المعروف أن المناطق الجنوبية والشرقية المتاخمة للحدود مع روسيا كانت قبل أحداث "ثورة الكرامة" وما تبعها في 2013 و2014 أكثر المناطق الداعمة للمرشحين الموالين لروسيا أو المحسوبين عليها، وهناك اللغة الروسية الأوسع انتشارا وتداولا، وتنحدر نسبة كبيرة من السكان من أصول روسية، إضافة إلى الروابط الاجتماعية والاقتصادية مع روسيا التي كانت تميز تلك المناطق عن غيرها.

وقد أدى ضم القرم إلى روسيا في الجنوب واشتعال الحرب ضد الموالين لروسيا في الشرق إلى تغيير نتيجة هذه المعادلة لصالح الموالين للغرب، بعد أن فقد الموالون للشرق الروسي أصوات ما لا يقل عن 3.5 ملايين نسمة تقريبا.

ولعل هذا السبب كان وراء انسحاب المرشح يفهيني مورايف قبل أيام، وهو ابن الشرق الذي نادى بإعادة صفة الرسمية إلى اللغة الروسية، في حين يجتهد باقي المرشحين بالتأكيد على أنهم لن يحاربوا المتحدثين بها طمأنة وكسبا لأصواتهم على ما يبدو.

ويقول المحلل السياسي أوليكساندر بالي إن أي انتخابات بعد 2014 لن تأتي إلى رأس السلطة برئيس موال لروسيا أو بأغلبية موالية لها في البرلمان.

إحدى الدعايات الانتخابية للمرشحة الرئاسية وزعيمة حزب الوطن يوليا تيموشينكو (الجزيرة)


الأعمار و"التقاعد"
ولا شك أن فئة الشباب عامل يرجح كفة غربيي الميول في أوكرانيا الذين يرفعون شعارات التقارب والعضوية في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بعد تحقيق معاييرهم المتقدمة في شتى المجالات.

ثورة "الكرامة" كانت تسمى محليا احتجاجات "اليورو ميدان" قبل أن تتحول إلى مواجهة دموية، وكانت فئة الشباب الأبرز فيها، خاصة الطلاب من معظم المناطق.

أما كبار السن فيميلون -بحسب المناطق- إلى الموالين لروسيا أو إلى الحياد، خاصة أن الغرب وصندوق النقد يطالبان بإصلاحات تتعلق برفع سن التقاعد والحد من نظامه الموروث عن اشتراكية الاتحاد السوفياتي.

وهنا أيضا، يلعب المرشحون على وتر حاجة المتقاعدين إلى عيش مستقر يضمن ما تبقى لهم من حياة، ولعل أبرزهم في انتخابات الرئاسة 2019 زعيم الحزب الراديكالي أوليغ لياشكو الذي تنتشر صوره مع المتقاعدين ويسوّق نفسه "رئيسا شعبيا".

مصادر الغاز
الغاز حاجة مشتركة للشعب والحكومات المتعاقبة، وكان عامل نجاح للموالين لروسيا ترفع به أسهمهم قبيل أي انتخابات، وتعطيهم الضوء الأخضر للتأكيد على أن أسعاره ستتراجع لا محالة.

وقد اختلف تأثير هذا العامل اليوم في أوكرانيا بعد أن تحولت البلاد إلى استيراد الغاز الروسي من دول أوروبية بأسعار تقل عن الاستيراد المباشر.

والغاز هو عصب الاقتصاد والمواصلات والتدفئة في أوكرانيا، ولهذا تركز حملات بعض المرشحين عليه، متعهدة بخفض أسعاره بنسب قياسية تصل حد اللامنطق، إذ تعهدت زعيمة حزب الوطن يوليا تيموشينكو بخفض أسعار الغاز إلى النصف (ما يعادل ربع دولار تقريبا)، في حين تعهد زعيم "حزب البسطاء" سيرهي كابلين بخفض أسعاره إلى ربع ما هي عليه الآن.

دعاية انتخابية لزعيم الحزب الراديكالي أوليغ لياشكو يسوّق فيها نفسه رئيسا شعبيا يهتم بمصالح المتقاعدين (الجزيرة)


الحرب والأمن
واقع الحرب في مناطق الشرق عامل جديد مؤثر في الانتخابات الأوكرانية، وقاسم مشترك يوحد جميع المرشحين، لكن كلا منهم ينظر إليه من زاوية مختلفة.

حزب "الكتلة المعارضة" -الذي يعتبر من بقايا النظام السابق الموالي لروسيا- يرفع شعار "السلام"، ويروج إلى الحوار مع موسكو الذي يرى فيه سبيلا وحيدا وأقل تكلفة لإنهاء الحرب.

أما غربيو الميول -وهم يمثلون الأغلبية حاليا- فيرون في التقارب مع الناتو والحصول على مساعدته ومساعدات الولايات المتحدة وسيلة لإيقاف عدوان روسيا وعدم توسعها أو تجميد الصراع معها.

ويفاخر الرئيس الحالي بيترو بوروشينكو ببناء جيش قوي خلال الأعوام الأخيرة، وباستحداث أجهزة أمنية "مخلصة ومهنية"، كجهاز الحرس الوطني وجهاز الشرطة الجديد.

الانفتاح والحريات
من العوامل الجديدة المؤثرة -دون شك- في آراء الناخبين تأتي الحريات وحقيقة الانفتاح الذي وصلت إليه أوكرانيا مع دول الاتحاد الأوروبي والكثير من دول العالم.

حريات داخلية دون قيود تذكر، واتفاقيات لإلغاء نظام التأشيرة، وللتجارة الحرة مع عدة دول وأسواق عالمية فتحت للأوكرانيين متنفسا للحركة وآفاقا لعمليات التصدير بعد إغلاق الأسواق الروسية.

الرئيس بوروشينكو في حملته يركز على هذا "الإنجاز" وينسبه لنفسه، في حين تؤكد تيموشينكو أنها ستسير على "وجهة جديدة لأوكرانيا" تمثل في الحقيقة ذلك التقارب والانفتاح، وفق محللين.

الوجوه الجديدة
واللافت في انتخابات الرئاسة الأوكرانية السابقة أن معظم من كان يخوضها عمل سابقا في أروقة السياسة والاقتصاد أو ترأس حزبا أو كان من رجال الأعمال وفاحشي الثراء.

أما الانتخابات الرئاسية المقررة في 31 مارس/آذار الجاري فكشفت عن وجوه جديدة لافتة برزت في مجالي الطب والسياحة وحتى الكوميديا.

دعاية انتخابية لمرشح حزب الكتلة المعارضة أوليكساندر فيلكول (الجزيرة)


اللامركزية
ومن العوامل الجديدة التي ستؤثر -على الأرجح- في نتائج الانتخابات المقبلة تطبيق قانون اللامركزية في أوكرانيا، وانتهاء نظام الاعتماد على السلطات في العاصمة أو في الإدارات الإقليمية.

وفي هذا حقيقة أدركتها -على ما يبدو- زعيمة حزب الوطن يوليا تيموشينكو التي بدأت فعليا حملتها الانتخابية قبل نحو عام كامل من خلال مراكز وحملات خدمية في المدن وأحيائها رفعت شعبيتها إلى مستويات متقدمة ومنافسة بعد تراجع غير مسبوق.

المصدر : الجزيرة