قنابل موقوتة في العلاقات الماليزية السنغافورية

رئيس الوزراء السنغافوري (يمين) مع نظيره الماليزي خلال لقاء جمعهما في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي (رويترز)
رئيس الوزراء السنغافوري (يمين) مع نظيره الماليزي خلال لقاء جمعهما في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي (رويترز)

سامر علاوي-كوالالمبور

تسعى ماليزيا وسنغافورة إلى تطويق التوتر حول مضيق جوهور الفاصل بينهما، وذلك من خلال اللجان المشتركة التي أعلن عن تشكيلها في الثامن من يناير/كانون الثاني الماضي. ورغم اعتراف المسؤولين في البلدين بعمق الأزمة التي فجرها النزاع بشأن المجال الجوي والحدود البحرية، فإنهم يؤكدون الحرص على إبقاء الصراع تحت السيطرة، أما جذور النزاع فهي متعددة وتنذر بمزيد من التدهور.

ولم تكن الحدود البحرية مثار أزمة بين سنغافورة وماليزيا إلى أن أعلنت الأخيرة في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي عن خطة لتوسعة ميناء جوهور، فاعتبرت سنغافورة التوسعة اعتداء على مياهها الإقليمية، ثم أعلنت في 6 ديسمبر/كانون الأول المناطق المتنازع عليها مياها سنغافورية تقع ضمن حدود مينائها، ونشر البلدان سفنا حربية في منطقة النزاع.

قانون المضائق الدولية ينص على أن أخفض نقطة هي الحد الفاصل بين البلدين ومن هنا تأتي حساسية الحفر والدفن نظرا لأنها تغير نقاط الحدود (الجزيرة)

غضب وخشية
لكن الخبير في العلاقات بين البلدين محمد جوهري بن مسلم يستبعد أن يكون سبب الغضب السنغافوري مشكلة حدودية، وإنما الخشية من منافسة الميناء الماليزي لمينائها الحيوي الذي يعتبر لعقود أحد عوامل ازدهار الجزيرة اقتصاديا، حيث ترسو السفن العملاقة في الميناء الإستراتيجي الوحيد في المنطقة لتنقل البضائع منه بسفن صغيرة إلى الموانئ المنتشرة في الفلبين وإندونيسيا وماليزيا وغيرها.

ويستشهد بن مسلم لتعزيز وجهة نظره بأن الطرفين دأبا على ممارسة أعمال ردم المياه في المضيق الذي يفصل بينهما لأسباب عمرانية، بل إن سنغافورة وسعت من مساحة أراضيها بنسبة تصل إلى 23%، ولم تصل الحساسية تجاه الردم إلى درجة أزمة، واقتصر على التحذير من الأضرار البيئية ومخالفة القوانين الدولية للبحار والمضائق.

ويشير بن مسلم في حديثه للجزيرة نت إلى أن القانون الدولي للمضائق يعتبر أعمق نقطة في مياه المضيق هي الحد الفاصل بين الدولتين، في حين ترفض ماليزيا اتهامات التعدي وتؤكد التصريحات والبيانات الحكومية أن جميع أعمال الردم تجري في مياهها وعلى أراضيها.

بن مسلم: النزاع يتخطى المشاكل على الحدود إلى التنافس الإقليمي والاقتصادي (الجزيرة)

المجال الجوي
وقد أعرب وزير النقل الماليزي أنتوني لوك في 4 ديسمبر/كانون الأول الماضي عن عدم رضا بلاده عن نظام الهبوط الجديد في مطار سيليتار السنغافوري، واتهم سنغافورة بتشغيل نظام الهبوط منفردة خلافا لاتفاقية عام 1974 الثنائية التي تنظم الملاحة الجوية بينهما.

وقال الوزير الماليزي إن الطائرات التي تحط في مطار سيليتار تخرق المجال الجوي الماليزي وتزعج سكان مدينة جوهور بارو وتضر بمينائها.

ورفضت سنغافورة التهم الماليزية، وقالت إنها تلتزم بالمسارات الجوية المتفق عليها، مؤكدة أنه لا يوجد تأثير سلبي لحركة الطيران في مطار سيليتار على سكان جوهور بارو ومينائها.

وقد أعلن وزيرا خارجية البلدين الماليزي صلاح الدين عبد الله والسنغافوري فيفيان بالاكريشنان عقب لقائهما في 8 يناير/كانون الثاني الماضي، عن تشكيل لجان فنية لدراسة النزاع بشأن المجال الجوي والحدود البحرية، وتجميد الإجراءات التي اتخذها كل طرف لمدة شهر، بما فيها تعليق سنغافورة العمل بنظام الملاحة في مطار سيليتار وتوقف ماليزيا عن إعلان مناطق محظورة في مجالها الجوي وسحب السفن البحرية التي نشرت في مناطق النزاع.

بن كمالي: مراجعة أسعار المياه أمر منطقي (الجزيرة)

الصخرة البيضاء
في هذه الأثناء، مثّل تخلي الحكومة الماليزية -بعد تسلمها السلطة في مايو/أيار الماضي- عن دعوى رفعتها الحكومة السابقة أمام محكمة العدل الدولية للمطالبة باستعادة جزيرة صغيرة في بحر جنوب الصين من سنغافورة تعرف باسم "الصخرة البيضاء"، مفاجأة.

وتزامن تراجع ماليزيا عن المضي قدما في قضية ملكية "الصخرة البيضاء" مع الإعلان عن عزمها إلغاء مشروع خط القطار السريع بين سنغافورة وكوالالمبور، بذريعة أن المشروع مكلف جدا ولا جدوى اقتصادية منه لماليزيا.

ونظرا للتعويضات والغرامات المالية الضخمة التي سوف يتكبدها الطرف الذي يخل بالاتفاق، فقد توقع مراقبون مقايضة التنازل عن المطالبة بالجزيرة بإلغاء الغرامة التي تترتب على إلغاء ماليزيا مشروع القطار السريع، ولا سيما أن سنغافورة بدأت بالفعل مشاريع عمرانية وتجارية وسياحية ضخمة حول محطة القطار الأخيرة في أراضيها.

ويضفي الصراع على النفوذ بين الدول المطلة على بحر جنوب الصين أهمية إضافية لهذه الصخرة التي لا يوجد فيها سوى منارة لإرشاد السفن، وقد تراجعت أهميتها التقليدية بعد ظهور تكنولوجيا الملاحة المتقدمة والرادارات، لكن قوانين البحار الحديثة جعلت للصخرة البيضاء -التي تبعد نحو 22 عقدة بحرية عن سنغافورة و8 عقد عن ماليزيا- أهمية إستراتيجية، فهي تعطي عمقا بحريا اقتصاديا حيويا ومياها إقليمية للدولة التي تملكها.

مياه الشرب
وتطالب ماليزيا بمراجعة اتفاقية المياه الموقعة عام 1962، ويقول الأمين العام للمؤرخين الماليزيين حمد بن كمالي إن الاتفاقية لا تنص على صلاحية لمدة محددة، لكن مراجعة أسعار المياه أمر منطقي، حيث إن سعر المياه لم يتغير منذ توقيع الاتفاقية وهو 20 سنتا لكل ألف غالون، وتشتري ماليزيا المياه المكررة من سنغافورة بسعر 60 سنتا لكل ألف غالون.

وتصنف قضية مياه الشرب الأكثر حساسية في قضايا النزاع بين البلدين، حيث إن إغلاق ماليزيا "صنبورها" يعني موت سنغافورة عطشا، فهي تستورد منها معظم حاجتها من مياه الشرب، وتعيد تكريرها مرات عدة قبل أن تحولها إلى الزراعة.

وانفصلت سنغافورة عن ماليزيا عام 1965 بعد سنتين من استقلالها وانضمامها إليها، ويقول المؤرخ بن كمالي للجزيرة نت إن البلدين تمكنا خلال خمسة عقود من تفكيك بعض العقد التي تركها الاستعمار البريطاني بينهما، مثل محطة القطار وسكة الحديد والممتلكات الماليزية في سنغافورة، لكن أمامهما طريقا طويلا لإنهاء جميع المشاكل، وقد يحتاجان إلى طرف ثالث للمساعدة مثل رابطة آسيان التي ينتميان إليها.

ولعل المثل الملاوي القائل "كلما اقترب الجيران من بعضهم زاد سوء التفاهم بينهم" ينطبق على الحالة الماليزية السنغافورية، حيث إن الشراكة التاريخية والتشابك الجغرافي والاقتصادي والثقافي والشعبي والعرقي، تواكب التنافس بينهما على جميع الصُعد.

المصدر : الجزيرة