غارديان: الحوت لا يزال يلهم احتجاجات السودان بعد سنوات من رحيله

الراحل محمود عبد العزيز أبدع موسيقى دمجت التقاليد الأفريقية مع أغاني البوب الغربية (مواقع التواصل الاجتماعي)
الراحل محمود عبد العزيز أبدع موسيقى دمجت التقاليد الأفريقية مع أغاني البوب الغربية (مواقع التواصل الاجتماعي)

تقول صحيفة غارديان إنه عندما توفي محمود عبد العزيز، أحد أكثر المطربين شعبية في السودان، في العاصمة الأردنية في يناير/كانون الثاني 2013، هاجم جمهوره مدرج مطار الخرطوم حيث تم نقل جثمانه إلى منزله، مما أدى لإلغاء الرحلات الجوية.

وبحسب تقرير للصحيفة البريطانية، فإن آخرين تدفقوا آنذاك إلى شوارع المدينة لتشكيل واحد من أكبر الحشود التي شهدها تاريخ السودان الحديث.

ويوضح التقرير أن عبد العزيز الملقب بـ"الحوت" أبدع موسيقى دمجت الموسيقى الأفريقية التقليدية بموسيقى البوب ​​الغربية، وأصبح رمزا قويا لسودان مختلف "أقل محافظة دينيا، وأكثر علمانية وتطلعا إلى الخارج".

في طليعة الاحتجاجات
ووفقا لتقرير غارديان، عُرِف عبد العزيز بلقب "ملهم الشباب"، مشيرا إلى أن هؤلاء المعجبين نزلوا إلى الشوارع مرة أخرى، وبرزوا في طليعة الاحتجاجات الأخيرة المطالبة برحيل نظام الرئيس عمر البشير.

ويشير التقرير إلى أن الجهة التي تقف وراء إشراك معجبي "الحوت" في الاحتجاجات هي المنظمة الثقافية والخيرية التي أنشأها المغني قبل وفاته. وتضم عضوية هذه المنظمة المعروفة باسم "أقمار الضواحي"، بعض الأشخاص الذين تم اعتقالهم وقتلهم في حملة القمع الحكومية الحالية.

وكان أحد الذين قُتلوا في مظاهرة في أم درمان وهو صالح صالح (25 عاما) يحمل أثناء المظاهرة صورا للمغني الراحل، ووصل إلى التجمع مع اثنين من أشقائه الصغار بعد أن حثت المجموعة أنصارها على التظاهر بدلا من الاحتفال بذكرى وفاة عبد العزيز.

أوسع من المعارضة السياسية
وأوضح التقرير أن مهند صالح شقيق صالح صالح قال لموقع النيلين الإلكتروني "لسنا سياسيين على الإطلاق ولا نفهم في السياسة"، مشددا على أن حركة الاحتجاج ضد البشير -في بلد يقعد به التضخم المتصاعد وتتفشى به الصعوبات الاقتصادية- توسعت وتجاوزت مجموعات المعارضة، وتضخمت حتى صارت استياء شعبيا شاملا.

وقالت شقيقته جيهان صالح "عندما وصل والدي إلى المستشفى لأخذ جثمان صالح، هتف وهتف معه الآخرون ضد النظام، وعندها أمطرتنا قوات الأمن بالغاز المسيل للدموع وأطلقت الذخيرة الحية خارج المستشفى".

ورغم التهديد بالعنف والاعتقال، قالت مجموعة "أقمار الضواحي" إنها ستواصل المشاركة في الاحتجاجات، حيث تستخدم على نطاق واسع تطبيق تلغرام للمراسلة الآمنة لتفادي المراقبة من قبل الحكومة التي حجبت العديد من مواقع وسائل التواصل الاجتماعي في البلاد.

الرئيس السوداني البشير يرقص مع الفنان عبد العزيز (الفرنسية)

غضب من القيود الاجتماعية
وإذا لم يكن العديد من مؤيدي "أقمار الضواحي" سياسيين بشكل صريح، يقول التقرير، فإن أهمية عبد العزيز بوصفه رمزا مستمرا ليس في الاحتجاجات فحسب، بل أكثر ظهورا بين الجيل الأصغر سنا بالسودان والغاضب من القيود الاجتماعية.

ورغم أن النظام، بما في ذلك البشير نفسه، الذي رقص ذات يوم على خشبة المسرح مع عبد العزيز، حاول استمالة المغني بسبب شعبيته، فإن علاقة "الحوت" بالسلطات في الخرطوم كانت مشحونة، إذ تم اعتقاله كثيرا.

سيرة المغني
ويستمر التقرير قائلا إن ظهور عبد العزيز مغنيا للسودان الأكثر شعبية قد اقتفى أثر تاريخ السودان الحديث.

ولد عبد العزيز في أكتوبر/تشرين الأول 1967 بالخرطوم بحري، وبرز بوصفه مغنيا في وقت كان فيه أسلوبه في الموسيقى ممنوعا على التلفزيون والإذاعة الوطنية السودانية.

وخلال سنوات الحرب مع جنوب السودان، عندما اضطر العديد من المطربين والفنانين والسياسيين إلى الخروج من البلاد خلال تزايد ما سموه "التعصب الديني المحافظ"، بقى عبد العزيز في السودان واستمر في الغناء رغم مخاطر الاعتقال التي يتعرض لها باستمرار.

كان معجبو الحوت يحاكون نظرته وطريقة تصفيف شعره وحتى الطريقة التي يتكلم بها. والآن يريدون سودانا يسوده العدل وخاليا من قوانين "النظام العام" التي تراقب سلوك الشباب وتجرم بعضه.

ويقول الصحفي محمد وهبي كاتب الكتاب الوحيد الذي تم إعداده حول عبد العزيز بعنوان "سارق الأضواء" الذي يصف فيه وفاء معجبيه له، إن "الحوت" كشف له أنه كان يعتمد على شجاعته فقط في ذلك "الزمان المجنون".

وكان معجبوه، يقول وهبي، يحاكون نظرته وطريقة تصفيف شعره وحتى الطريقة التي يتكلم بها. والآن يريدون سودانا يسوده العدل وخاليا من قوانين "النظام العام" "التي تراقب سلوك الشباب وتجرم بعضه".

ثقافة غير نمطية
ويقول أستاذ التاريخ الأفريقي بجامعة ميسوري الأميركية عبد الله علي إبراهيم إن هذا المغني يمثل بالنسبة لكثير من معجبيه حتى اليوم رمزا لـ"ثقافة غير نمطية".

ويقول رئيس مجموعة "أقمار الضواحي" محمد بابكر لغارديان إن عبد العزيز كان دائما مع الناس وكان صريحا بشأن القضايا التي تؤثر عليهم، وكثير من أغنياته تدور حول ذلك.

ويضيف بابكر قبل ساعات من اعتقاله الشهر الماضي "لا يمكننا أن ننسى أنهم أهانوه علنا. أرادوا منه الانضمام إلى حزبهم واتباع أجندتهم، لكنه رفض، لذلك عاقبوه". ولم يُسمع من بابكر شيء بعد ذلك.

ويستمر معجبو عبد العزيز في المشاركة في الاحتجاجات. وتقول ريم عثمان (21 عاما) العضو بـ"أقمار الضواحي"، وهي طالبة من الطبقة الوسطى تشارك لأول مرة في أي احتجاجات، إنها كانت في الماضي تشاهد الاحتجاجات على التلفزيون. وتصف المظاهرات الحالية بأنها وصلت الآن إلى نقطة صعبة للغاية، وأنهم يفتقرون للحقوق الأساسية في كل شيء، مضيفة "إذا لم تنجح ثورتنا، فسوف أغادر السودان".

المصدر : غارديان